الخيِّرون.. وفخ التطوير!

إبراهيم الحيدري

   استفاقت كثير من المنظمات الخيرية على صرخة جارفة تسود أرجاء المنطقة بأهمية التطوير وتحسُّن الأداء، فخُصصت المبالغ المالية، وصُرفت الأوقات، واستثمر الكثيرون في تطوير ذواتهم.
غير أن المؤسف أن تلك الرغبة الجارفة في التغيير والتطوير لم توازِها عند بعضهم رؤية إستراتيجية راشدة ولا آليات ملائمة، ولم يحظَ التطوير في بعض المنظمات الخيرية - للأسف - بقيادة ذات طاقات مؤهلة، فكانت عمليات تطوير مشوّهة، وبرامج تغيير مبتورة، ورحلات تحسين قصيرة النفَس.
واحد من أعراض عمليات التطوير المشوهة هي انكباب المنظمات الخيرية على الدورات التدريبية على أنها طرق الخلاص والسبيل الأوحد لبلوغ المرام! وراجت في كثير من الدورات التدريبية بضاعة معرفية خالصة لا تمتّ إلى الميدان بصلة ولا ترتبط بالواقع في أي وجه، وأغفِل الجانب المهاري والسلوكي في مثل هذه الدورات. وكان من نتائج هذا التشويه قبول المنظمات الخيرية أن يكون  متدرِّب الأمس هو مدرب اليوم، مغفلين متطلبات مهمة كالتخصص والخبرة، وقَبِل الناس أن تكون وظيفة المدرب حمل أسفار غربية وأخرى شرقية لا تلائم الواقع المحلي، كما راجت بين بعض الأحبة مفاهيم تُتَناقل كالمسلَّمات، مثل:
حتى تكون مبدعاً؛ فلا بد أن تكون فوضوياً. ولكي تكون قائداً؛ يجب أن تكون فردياً، والشخصية التنفيذية أقل درجة من القيادية.
«سافر أحدهم ذات مرة من مدينة إلى أخرى لكي يحضر دورة في تعزيز الثقة بالذات التي تستمر لمدة يومين؛ فكان المدرب نفسه هو أحوج الناس لأبجديات هذه الدورة، وكانت مهمة المتدربين في أغلب الوقت تعزيز ثقة المدرب بنفسه!».
على مستوى المنظمات الخيرية؛ فــإن التدريب لا ينحصر في إرسال الموظفين أو المتطوعين لحضور دورات تدريبية، بل إن هناك خيارات أخرى أقل تكلفة وأبلغ أثراً؛ كتبنِّي مفهوم (المدير المدرِّب)، الذي يجعل من مسؤوليات المدير أن يطور معارف العاملين معه ومهاراتهم في مجالات عمل إدارته، فهو أقرب لمعرفة نقاط ضعفهم ومكامن قوتهم، واحتياجاتهم لتطوير ذواتهم وتحسين أدائهم. وإذا ما كان المدير غير مؤهل لذلك؛ فإن إحدى الوسائل المغفلة في بعض المنظمات الخيرية هي إحضار المدرب لبيئة العمل؛ ليقوم بتحليل احتياجات الموظفين التدريبية، وتدريبهم - خلال مدة وجوده - على المعارف والمهارات التي يحتاجونها فعلاً في إنجاز أعمالهم.
ثمة نقاش عريض بين الباحثين في التدريب عن أثر الدورات التدريبية على الأفراد والمنظمات والقدرة على قياس نتائجها؛ فالأوْلــى - والحــال كــذلك - ألا يحصر الأحبة الخيِّرون في المنظمات الخيرية أفقَ التطوير الواسع في زاوية الدورات التدريبية فقط.

 

للعودة للصفحة الرئيسة