رعــاية التوازن (٢-٣)

د. عبد الكريم بكار

  ذكرت في المقال السابق أن علينا أن نفكر في الوسائل والأساليب التي تجعل حياتنا العامة أكثر توازناً، وذلك لأن الأمة حين تفقد توازنها تتكاثر الأخطاء لديها، وتضيع الواجبات، ويتغير مع الأيام مزاجها العام، وتفقد بذلك ثوابتها وخصوصيتها.
ولعلَّ مما يساعدنا على أن نكون أفضل توازناً الآتي:
1 - أمة الإسلام هي الأمة الوحيدة اليوم - بحمد الله - التي تستطيع معرفة نقطة التوازن في كل مجال من مجالات الحياة، وهذا يعود في الأساس إلى المنهجية والمعيارية التي ملَّكنا إياها المنهج الرباني الأقوم. وهذه المنهجية تقوم على شيئين جوهريين هما: الهدف، والواجب.
إن هدفنا الأسمى فــي هذه الحياة هــو الـفـــوز برضوان الله - تعالى - ودخول الجنة مع خلَّص أنبيائه وأوليائه، وهذا الهدف يشكِّل أحد معايير التوازن المطلوب. إن المسلم لا يكون متوازناً حين يغلب على أنشطته ما يُبعده عن ذلك الهدف، فالذي كوَّن ثروة بالكذب والاحتيال والرشوة وتأخير مستحقات الموظفين والخروج عن النُّظُم السارية.. لا يمكن أن يكون متوازناً ما لم يتوقف عن المضيِّ في هذا الأسلوب في توليد الثراء، وما لم يجد طريقة لمعالجة ما تمكن معالجته من الأخطاء السابقة.
واجب هو الآخر يدلنا على كيفية رعاية التوازن، ونحن نحمد الله على أن واجباتنا اليومية والعامة واضحة تمام الوضوح، وعلى سبيل المثال: فإن على الموظف المسلم أن يؤدي صلاة الظهر في وقتها، وهو آنذاك كثيراً ما يكون في عمله، ومن الواضح أن تركه لمكتبه مدة (45) دقيقة من أجل أداء  هذه الفريضة إخلالٌ بواجب الوظيفة، كما أن الانهماك في العمل من غير القيام إلى الصلاة يشكِّل وجهاً آخر من وجوه الإخلال بالواجب وإن عليه أن يبحث عن صيغة التوازن الملائمة.
لدى كل الثقافات ما يُسمى سُلَّم القيم، حيث يتم ترتيب القيم بشكل تصاعدي، وكل الثقافات تؤكد على التضحية بالقيم الصغرى وتأجيل تجسيدها من أجل الامتثال للقيم الكبرى. والحقيقة أن أكثر من (90٪) من القيم مشترك بين كل الأمم، والذي يشـكِّل الفرق بينها هو تصنيفها لتلك القيم بحسب الأهمية في الرؤية الخاصة لكل أمة، وقد أشار القرآن الكريم إلى الخطأ الفادح الذي يسبِّبه الترتيب الخاطئ لبعض القيم؛ حيث قال الله - سبحـانه -: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْـحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ} [التوبة: ٩١].
إن إلانة الكلام للناس والتبسُّم في وجوههم وقضاء بعض حاجاتهم.. قيمٌ إسلامية وعالمية مرموقة ومهمة، لكنها في الرؤية الإسلامية ليست بمنزلة أداء فرض الصلاة أو الزكاة أو الحج أو بر الوالدين، ومن هنا فإن حرص الناس عليها في معاملاتهم اليومية من باب الكياسة واللطف والشعــور بالآخر - كما يقولون - شيءٌ جيد، لكن إذا تعارض شيء منها في موقفٍ ما مع أداء فريضة من الفرائض أو تعارض مع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن على المسلم أن يكون مع الفريضة، وإذا لم يفعل ذلك فقد وقع في خلل كبير.
أما المسلم الذي يؤدي الفرائض ولا يملك اللباقة الكافية في معاملة الناس فإنه أيضاً وقع في خلل، لكن الخلل الذي وقع فيه لا يكاد يُذكر إلى جانب الخلل الذي سبَّبه التفريط في أداء فريضة من الفرائض، وهكذا... إنني أقول هذا الكلام؛ لأن من المسلمين من فرَّط بأداء كل الفرائض، ويزعم أنه أقرب إلى الله من غيره ممن يصلُّون في الصف الأول وبسبب أن أحدهم أساء إليه في كلمة وعامله بجفاء!
إن مما يساعدنا على رعاية التوازن أن نفرق بين الشروط والمواصفات المساعدة على الخير، وبين الغايات التي نسعى إلى تحقيقها، حيث إن من السهــل على كثير من الناس أن يضعوا الأسـباب في مقــام الأهــداف والغــايات أو يجعلوها مثلها، وفي هذا إخلال كبير بالتوازن. وعلى سبيل المثال: فإن توفير بيئة صحية جيدة وتوفير قدر من الرخاء والسعة والرفاهية، وتسهيل حياة الناس وتحركاتهم؛ عبارة عن شروط وأسباب، الهدف منها جعل الناس في وضعية تساعدهم على أن يكونوا أقوم بأمر الله - تعالى - وأقرب إليه، وفي وضعية تساعدهم على الفوز برضـوان الله تعالى.
وإذا كــان هــذا الكــلام صحيــحاً - وهو صحيح إن شاء الله - فإن مما يخل بالتوازن في الحياة العامة الغفلة عن هذا المعنى وجعل التنمية الاقتصادية وتحقيق أكبر قدر ممكن من الرفاهية هدفاً نهائياً لكل مساعي التطوير والإصلاح. إن المتوقع في هذه الحالة انقسام الناس إلى طبقتين كبيرتين: طبقة مشغولة بتنمية ثرواتها والاستمتاع بها، وطبقة مشغولة بسدِّ رمقها والحصول علــى الضــروريات لبــقائها، وهــذا ما تدعمه الأنشطة الرأسمالية اليوم.
إن هدف التنمية في الرؤية الإسلامية توجيه غنى الغني وفقر الفقير نحو هدف واحد هو صلاح السلوك واستقامة الأخلاق، وهذا يتطلب عوناً مباشراً للفقير من أجل تخفيف درجة فقره، وعلاجاً مُعيَّناً للغني كيلا تفسده ثروته، وعلى مدار التاريخ كانت الرؤى والطروحات الإصلاحية مرتبكة حيال تحقيق نوع من التوازن بين الحرية الفردية والعدل الاجتماعي.
تحقيق التوازن العام مسؤولية عامة، وعلى كل واحد منا أن يبحث عن وظيفته في ذلك.
والله الموفق.. وللحديث صلة بإذن الله تعالى.

 

للعودة للصفحة الرئيسة