بين التطوع والفريضة

د. محمد بن عبد الله الدويش

   جاءت الشريعة الإسلامية بما يُصلِح حال الناس في دينهم ودنياهم، والإسلام هو المنهج الوحيد الذي يتوافق مع طبيعة النفس ويصلحها.
ولقد جاءت الشريعة الإسلامية بفرائض لا يسوغ لمسلم تركها دون عذر، وبمحرمات لا يجوز فعلها دون سبب مبيح، كما جاءت بمندوبات وسنن ومكروهات. وتتفاوت مراتب الواجب والمندوب، كما يتفاوت قُبْح المنهيات والمحرمات.
ويعتني كثير من المربين اليوم بالنوافل والسنن؛ لما يرون من أثرها في إصلاح النفس وتحقيق التقوى، وتقوية صلة المتربي بربه، عز وجل.
ومع أهمية ذلك؛ فإن المنهج التربوي لا بد أن يتوافق مع الشريعة؛ إذ وظيفة التربية ربطُ الناس بالشريعة، والتربية - كغيرها من الوظائف الشرعية - ينبغي أن تكون محاطةً بسياج الشريعة منضبطةً بضوابطها.
إضافة إلى أن المربي إنما يستهدف إصلاح النفوس، وصلاح النفوس لا يمكن أن يتحقق إلا بالمنهج الشرعي، وأي منهج يخالف الشريعة في مقاصدها أو أحكامها أو أولوياتها؛ فهو بعيد عن إصلاح النفس بقدر بعده عن الشريعة.
ومن هنا؛ فإنه ينبغي أن يراعى فيما يتصل بتربية الناس على النوافل ما يلي:
• لا بد من الاعتناء بالنوافل، والحرص عليها، وحث الناس عليها، وبيان منزلتها، وأن يكون المربي قدوة لغيره في الاعتناء بها والالتزام بها، وهذا الأمر لا يحتاج إلى مزيد تأكيد.
• العناية بالفرائض والتأكيد عليها؛ فهي أحب إلى الله تعالى، وما تقرّب عبد لربه بأحب إليه - سبحانه - منها. ولأنها قد فرضت على الناس كلهم؛ فهذا يعني ما يلي:
- أنهم جميعاً يطيقون فعلَها والمحافظة عليها.
- أنها ضرورية لإصلاح النفس وتزكيتها، وأي تقصير فيها يترك أثره على تزكية النفس.
- أن أثرها في تزكية النفس أبلغ من أثر النوافل والسنن.
• أن يُتعامل مع النوافل باعتدال؛ فلا يجفو المرء عنها ويهملها، أو يقلل من شأنها، وفي المقابل ألاَّ يغلو المربي فيها ويتجاوز القدر الشرعي.
ومن مظاهر الغلو في التعامل مع النوافل ما يلي:
- التركيز عليها عند الحديث عن إصلاح النفس وتزكيتها، على حساب الفرائض والواجبات.
- المبالغة في الأمر بها، أو إلزام المتربين بفعلها؛ وهذا خلاف الشريعة التي جعلت الأمر فيها اختياراً، كما أن قيمة النوافل تتمثل في كونها تطوعاً يؤديه صاحبه وهو يرى أنه مخيَّر في فعله أو تركه.
- عدّها علامة على الاستقامة والتدين؛ فكثيراً ما نسمع من يشكك في صدق الاستقامة أو جديتها؛ مستدلاً بإهمال النوافل من صلاة تطوع وصيام وصدقة... إلخ.
إن الاعتدال والتوازن، والنظرة الكلية لمقاصد الشريعة والفقه فيها؛ مما يجنب المربي الوقوع في آفتي الغلو والجفاء، ويعينه على بناء جيل صالح متوازن بإذن الله، تعالى.

 

للعودة للصفحة الرئيسة