اغتيال القادة

د. أنور قاسم الخضري

   في مقال لي سابق في مجلة البيان (العدد 235) استعرضت من خلاله «أحاديث القرآن الكريم والسنة المطهرة عن القادة». وهنا أحب أن أضيف أننا - معشرَ المسلمين - ونتيجة «الظــــروف» و «البيئة» و «الهزيمة النفسية» إزاء أقدار الله الصعبة؛ نمارس سلوكاً إجرامياً تجاه الشخصيات القيادية، بحيث يُغتالون بدون قصد وشعور.
فقد أشرت إلى أن الشخصيات القيادية شخصيات ملهمة وجريئة، وصاحبة مشروع جديد، ورائدةُ تحوُّل، وذات تأثير فعال، بحيث تصوغ الآخرين في لوحة حية متكاملة وقوية، لذلك فهي تحتاج إلى قَدْرٍ من الحرية، وقدر من التشجيع، وقدر من الاهتمام ابتداء.
وسأذكر هنا صوراً من اغتيال القادة بحسب تصوري للقضية:
أولاً: الاستعجال في تقديم الشخصيات القيادية إلى معترك المواجهة مع الواقع، بدون تزويدها بالعلم والمعرفة والمهارات الضرورية، وبدون صقلها بالخبرات والتجارب المفيدة، التي تكوِّن لها مرجعاً ثرياً للإلهامات الصائبة والمشروعات الناجحة.
والاستعجال آفة خطيرة، وقد قيل قديماً: (من استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه)، ومن التهور أن يقدِّم العمل الإسلامي في بعض فصائله – اليوم -  قيادات غير واعية ولا ناضجة ولا متسلحة بالعلم؛ لأن أنصاف المتعلمين والخبراء مشكلة بحد ذاتهم؛ فكيف إذا سلَّمنا لهم مفاتيح القيادة؟! أليس هذا أشبه بتسليم شخص نصف متعلم ونصف خبير قيادة الطائرة في رحلة ركاب طويلة وخطيرة؟
لعل الكثيــرين يتفقون عــلى خطــورة المــثال الحسي - السابق - على الرغم من أن مضرب المثل أشد خطورة في حقيقة الأمر. وما أجمل قول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه -  منبهاً: «تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا»!
ثانياً: حرمان القادة الذين تدل مواهبهم الشخصية وقدراتهم العقلية والنفسية، من واقع المعايشة لهم وتجربتهم:
وذلك بحرمانهم من أخذ فرصتهم في القيادة، من خلال المشاركة في صنع القرار، أو إيكال بعض المسؤوليات إليهم ومحاسبتهم عليها حتى تتم لهم الفائدة، أو إعطائهم بعض المهام المستقلة، أو تحميلهم إنجاز بعض المشروعات في ظل رقابة عليا.
إن هذا الحرمان يكبت فيهم روح القيادة، ويحيلهم مع الوقت إلى آلات طيِّعـــة، أو إلى عفاريت جامحة تفتعل الأزمــات وتختلــق المشكلات حتى تنتقــم من بيئتها؛ فالحرمان يدفع بالإنسان إلى الظلم والانتقام وتعويض ما حُرِم منه.
وهذا الصنف من القادة المحرومين كالصقر المدرب الذي يُحبَس ثم يباهي به صاحبه، هذا إن باهى به فعلاً!
وقيل في بعض الحِكَم: (السهم الذي لا ترمي به عدواً؛ ينكأ لك جرحاً)!
ثالثاً: غياب روح الشورى الجماعية في البيئة المسلمة، على صعيد الأسرة والمسجد ومحاضن العلم وأماكن العمل وأنظمة الحكم:
ولذلك فقد المسلمون بركة الاتفاق والاجتماع والعون الإلهي.. «يد الله مع الجماعة».
إن الشورى تفتِّق الأذهان، وتوسع آفاق الإلهام، وتوسع من دائرة النظر، وتبعث على إدراك مناهج الآخرين وطرقهم في التفكير، ومن ثم معرفة منطلقاتهم وآليات فهمهم، والعوامل الشخصية والخارجية المؤثرة على صنع القرار لديهم، وغير ذلك من الجوانب، ومن ثم يخرج المتشاورون بإيجابيات أبعد من مجرد اتخاذ القرار، فهناك جانب غير مرئي في الشورى يجري بالموازاة مع الحوارات وتقليب وجهات النظر والجدال، وهو يتسرب إلى الجميع.
والشخصية القيادية هي التي تستوعب الآخرين من خلال عملية (الشورى)، لتنطلق في التعامل معهم بفهم كامل لشخصياتهم وكيفية التأثير عليهم عبر المداخل المقبولة والمحبوبة في نفوسهم.
رابعاً: تفصيل الخطة لهم مِما يحرمهم من إبراز قدراتهم:
القياديون بطبيعتهم يمتلكون القدرة على التخطيط والإدارة معاً، وحصرهم في خطة مفصلة إلى حد الذرة يعني إلغاء جانب كبير من هذه القدرة، وغياب عنصر التحفيز لديهم للقيام بالعمل؛ فهم بطبيعتهم ميالون للابتكار والإبداع، ويرسمون لوحاتهم الفنية ولا يشترونها جاهزة، وإذا اشتروها فإنهم لا يباهون بها؛ لأنهم في الأصل لم يرسموها.
القياديون لا يميلون إلى جانب «التنفيذ الحرفي» إلا بمقدار الضوابط والمحددات. لــذا؛ فإن لغــة التكــليف لهم لا بد أن تراعي آفاق تطلُّعهم دون بخس أو إسراف.
خامساً: تقديم تجاربنا لهم على أساس أنها صالحة لكل زمان ومكان:
لكل فرد منا شخصيته، ولكل بيئة ظروفها، ولكل زمان وسائله، ولكل دولة رجالها، ومهما يكن نجاحنا في تعاطينا مع بيئتنا وظروفنا وزماننا غير أن ما نحققه يظل تجربة إنسانية تقاس في إطارها الزماني والبيئي والظرفي مهما نجحت، ولا يحق لنا أن نضع منها بديلاً عن تجارب الآخرين.
إن العدد الكبير من القصص القرآني بشأن الأنبياء لم تأتِ في القرآن حشواً، حاشا لله! بل جاءت لحِكم متعددة، منها: عرض التجارب الإنسانية المختلفة للرسل والأنبياء في تبليغ الدعوة؛ لكي يأخذ الرسول – عليه الصلاة والسلام - بالجــوانب المضــيئة منهـا والأنسب لزمانه ومكانه وظرفه، بحيث يفرق بين جوانب الثبات والتغير في قضية الرسالة، ولكي يعلم – وتعلم أمته من بعده - جوانب السعة في الدعوة والتغيير والإصلاح، بل ليعلم أن التغيير هو حصيلة جهود متتابعة وميراث تجارب أدت مهامها خلال عصرها، وأن دوره - كما هو دور الأنبياء من قبله - هو الإكمال في البناء ذاته، وإتمام سلسلة الحلقات التي ابتدأها نوح – عليه السلام - وختمها الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
إن القــرآن لم يعرض على محمد - صلى الله عليه وسلم - تجارب الأنبيــاء فحسب، بل تجــارب أتــباعهم الذين ورثوا القيادة عنهم، فطالوت وذو القرنين شخصيتان في سياق تقديم التجارب الناجحة مهما كان مقام أصحابها أنقص من مقام النبوة.
ومن عجيب ما يلفت الانتباه أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يغلق الباب على مصراعيه في مجال الاجتهاد، والعمل على تطبيق شريعة الله في الأرض وسياسة الناس بها على آلياته ووسائل عصره فقط، بل ترك للأمة أن تأخذ بسُنَّة «الخلفاء الراشدين المهديين من بعده» دون أن يسمي أحداً؛ لأنه لا حاجة لذلك ما دام أنه بيَّن معالم الرشاد والهداية.
سادساً: التوجيه المباشر لهم في دقائق الأعمال وتفاصيلها:
من وسائل اغتيال القادة، توجيهُهم توجيهاً مباشراًً في تفاصيل الأعمال، وقديماً قيل:
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسِلاً
فأرسِلْ حكيماً «ولا توصِهِ»
ذلك أن تفاصيل الأمور قابلة للتعدد، ومتعددة في خياراتها وبدائلها، ومن إضاعة الوقت أن نتدخل في رسم جميع الخطوات التي ينبغي أن يقوم بها الجنود حتى يصلوا إلى أرض المعركة؛ لأننا بذلك نستهلك أوقاتنا ونهلك عقولهم ليَكِلُوا التفكير مطلقاً لنا، فنكون كمن يملك عشرات الأجهزة وفي يديه عشرات «الريموتات» ليتحكم بها عن بعد.
وقد توصل العلم الحديث إلى قضية جوهرية وفاصلة بين الإنسان والإنسان الآلي؛ وهو أن الأول يسير بإرادته وتفكيره وخبرته، ويتخذ قراره وفق معطيات حواسه وخبرته، أما الآخر فمعلق بالآخر يسيّره كيف يشاء، ومن كان مسلوب التفكير والإرادة كان مسلوب الحياة والفعل.
سابعاً: تخويفهم من المستقبل، وزرع الرهبة لديهم من التجديد:
إن من طبيعة القادة حبَّ الاستكشاف، والمغامرة، واقتحام الصعاب، والإتيان بالجديد، والتغيير، وكل هذه المسائل تدفع الآخرين للخوف، وتبث في ثناياهم الرهبة، وتحجزهم في المألوف من الأعمال والأدوار والأشخاص والأحوال.
وغالباً ما يُعاق القادة بهواجس الخوف من المستقبل والرهبة من التجديد على خلاف طبيعتهم وقدراتهم وطموحهم.
ومن هنا كان دأب الأنبياء زرع الأمل، وحب الفأل والثقة في الله، ومحاربة اليأس والقنوط والملل. ونذكر هنا موقف يعقوب - عليه السلام - وهو يحث أبناءه أن يبحثوا عن يوسف وأخــيه بعــد عقــود من السنين، قال - تعالى -: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْـحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٤٨ - ٧٨].
وهذا العلم بالله الذي لا يعلمه إخوة يوسف هو اليقين والرجاء في الله، وهو الذي جلَّاه يعقوب بعد مجيء البشير بقوله: {فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [يوسف: ٦٩]، فقد روى الطبري في تفسيره عند الآية الأولى، هذا الأثر: «حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة: {قَالَ إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ...} [يوسف: ٦٨] الآية، ذكر لنا أن نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاءٌ قط إلا أتى حُسْنُ ظنّه بالله من ورائه». وعند ابن كثير في الآية: «أي: أرجو منه كل خير». أما القرطبي فقال في الآية: «أي: من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده».
هذه - والله - العقيدة الحية والدين القويم، والإيمان الذي لا تزعزعه الحوادث ولا تقلبه الصروف! وعلى مثل هذا يقوم عود القادة.
وموقف آخر لسيد الخلق وخاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - في معركة حاسمة مع الكفر، يرى الرؤيا ويتأولها بذبح أصحابه (ورؤيا الأنبياء حق، ويشاورهم - كما هي عادته - فيذهب غالبيتهم إلى الخروج من المدينة المنورة لقتال المشركين، فيوافقهم ليزرع في قلوبهم أن العزيمة مكلِّفة، وأن للهمة العالية ضريبتها، وأن على المرء مواجهة المستقبل طالما اجتهد في الأسباب. ولنترك القرآن يعرض الحادثة كما هي في حقيقة الواقع وحقيقة النفوس:
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِـمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: ٦٤١ - ٠٥١]... إلى قوله - تعالى -: {...إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْـمُؤْمِنُونَ}.
[آل عمران: ٠٦١].
بهذه الروح يُجابَه المستقبل، ويُقتحَم الغيب، ويُغيَّر الواقع باتجاه الأفضل والأكمل.
ثامناً: استقلال نتائجهم ونكران جهودهم:
كان من هدي الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن لا يستقلَّ عملَ عاملٍ من أصحابه. روى البخاري عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: «أُفٍّ» قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: «لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا!»، هذا مع خادمه، عليه الصلاة والسلام.
أما مع قواد جيشه، فيحكي البخاري هذه الواقعة: «بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: «أَسْلَمْنَا» فَجَعَلُوا يَقُولُونَ «صَبَأْنَا صَبَأْنَا»، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ!» مَرَّتَيْنِ.
إن الخطأ مردود، لكن ذلك لا يعني إنكار الإنجازات؛ فقد ظل خالد بن الوليد (سيف الله المسلول) قائداً فاتحاً حتى عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
تروي أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أن مسكينة جاءتها «تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا؛ فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا! فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا! فَــذَكَـــرْتُ الّــَذِي صَنَعَــتْ لِــرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَــا الْجَنَّــةَ - أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ».
إن الإشادة بالمنجزات مهما قلّت يدفع النفوس لإعطاء المزيد منها، ومن أعظم الناس تأثراً بالمدح والإطراء والتشجيع القادة الذين يشكِّل العطاء محوراً مهماً فـي حياتهم؛ فــإذا ما وقع إنكار هذا العطاء.. توقف.
والجحود المطلق سبب لهدم الحياة وتعطيل لروابطها، وبه دخل معظم النساء النار، «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ؛ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئـــاً؛ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
تاسعاً: التخوف من مستقبلهم:
إن قيادات العمل الإسلامي في كافة تياراتهم حريصون على تأمين سير الدعوة، وأن لا يقدَّم من ليس بأهل ليرأس فيها ويُتَّخذ مرجعاً، وهذا أمر لا نزاع عليه ولا جدال حوله، غير أن المغالاة في الحيطة والحذر قد تدفع بعضهم إلى إفقاد المجتمع بروزَ قيادات جديدة تملأ الساحة، وتسد الثغرات، وتلبي الحاجات الاجتماعية.
إن من واجب العلماء (الذين هم شهداء الله في الأرض) أن يبذلوا وسعهم في اختيار الأقوياء الأمناء الحفظة، إلا أنهم - كالأنبياء - غير مسؤولين عمَّا قد يطرأ على الناس من انحراف، فهذه ليست مسؤوليتهم، {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الأنعام: ٧٠١].
قال ابن إسحاق: (وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهِد إلى أمرائه «ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم»، غير أنه أهدر دم نفر سمّاهم وإن وُجِدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقد أهــدر دمه؛ فرّ إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فلما جاء به ليستأمن له؛ صمت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويلاً، ثم قال: «نعم!». فلما انصرف مع عثمان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حوله: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا - حين رآني قد صَمَتُّ - فيقتله؟!» فقالوا: يا رسول الله، هلَّا أومأت إلينا! فقــال: «إن النــبي لا يقتل بالإشارة»، وفي رواية: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين».
قال ابن هشام: وقد حسُن إسلامه بعد ذلك، وولَّاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان[1].
فهذا مثال على أن النبي  - عليه الصلاة والسلام - أوكل مهمة من أخص المهام إلى من كان أهلاً لها ما دام أنه يمتلك المهارة والقدرة ولا يوجد وجه للطعن فيه، ولم يكلفه الله بما لا يطيق، ولم يكن من شأن الوحي إبلاغه بشأن مستقبل صحابته؛ لأن من شأن ذلك زرع القلق والريبة والظن بالناس، فتفوت معه المصالح، وتضيع معه سنة السير في الحياة.
وإذا كـــان ذلــك شــأن الـرســول - عليه الصلاة والسلام - فإن من هو دونه أَوْلى بهذه القاعدة وهذا المنهج، غير مهملين لجانب الحيطة والحذر، كما قال عمر بن الخطاب: «لست بالخِب، ولا الخِبُّ يخدعني!» وغير متناسين مناسبة حديث: «إن الله لَينصرُ هذا الدين بالرجل الفاجر»، وأن الله قد تضمن نصرَ هذا الدين وحِفظ أتباعه.. والله المستعان.


[1]    راجع: السيرة النبوية لابن كثير.

 

للعودة للصفحة الرئيسة