كاديما وخطة الاحتلال الجديدة

 

بلال الشوبكي

قالوا: فكاً للارتباط، ومن ثم انفصالاً أحادي الجانب، وأخيراً خطة انطواء وتجميع، ونقول: خطة للاحتلال عن بعد، والتي أصبحت عن قرب باجتياحهم الهمجي لغزة فالدولة العبرية طورت نوعاً جديداً من أنواع الاحتلال وانفردت به، هذا النوع يجنبها خسائر الاحتلال المباشر، ويحقق لها مكاسباً على الصعيد الدولي بظهورها دولة تسعى للسلام!!

نعم، شكَّل حزب كاديما الحكومة بما يعنيه ذلك من إمكانية تطبيق خطة شارون بإخلاء مستوطنات الضفة عدى الكبرى منها، اسـتكمالاً للمـشروع الذي بـدأه في غـزة، هـذا الإخلاء لا يأتي نتاج توجه صهيوني للسلام، أو حتى نكوصاً عن العمليات التوسعية، خطة كاديما هذه ليست إلا برنامجاً يصوغ عملية احتلال الأراضي الفلسطينية بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة؛ محلياً وإقليمياً وعالمياً، بما يضمن إلغاء أي مقوم للسيادة الفلسطينية، أو مؤشر على إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات استقلالية كاملة.

وبالرغم من أن هذه الخطة الجديدة ليست إلا خطة همجية للاحتلال مرسومة؛ فإن هذا لا يعني أن التوجه الصهيوني الجديد جاء بإرادة حرة، ولا يمكن أن نتجاهل هنا أن القوم واجهوا مقاومة في غزة كان لها دورها لا في الانسحاب؛ وإنما في تغيير شكل الاحتلال. فأي مراقب للوضع الفلسطيني يدرك تماماً أن الاحتلال الصهيوني لغزة لم ينته، وأن الحديث عن أي إخلاء من الضفة لا يفهم على أنه خطوة للسلام في ظل التوسع المتسارع لكبرى مستوطنات الضفة.

وحتى يصبح من الممكن أن نطلق على الخطة الصهيونية التي يتـبناها حـزب كـاديمـا: خـطة انفصـال، أو فـك ارتباط، أو انسحاب، بما يعطيها دلالات عدم تحمل المحتلين المسؤولية عن هذه الأراضي، ويعفيها من التبعات القانونية؛ لا بد أن يشمل الإخلاء الصهيوني للأراضي الفلسطينية المناطق جميعها، وبشكل تام دون انتقاص لأي مقوم للسيادة الوطنية، وضمان عدم عودة الصهاينة تحت أي ظرف كان إلى هذه الأراضي.

وبما أن الدولة العبرية لا تفكر ضمن هذا المنطق، فإن خطتهم الجديدة تأتي في إطار تكريس الاحتلال بمظهر جديد يكسبه المقبولية الدولية، بشكل يعفيها من المسؤولية القانونية عن الأراضي المحتلة، ويظهرها كدولة ساعية للسلام. وخطواتها أحادية الجانب ستفهم دولياً على أنها نتاج طبيعي لغياب الشريك الفلسطيني كما يُروجون، ويساعدهم ـ الآن في ذلك ـ الموقف الدولي من الحكومة الفلسطينية الجديدة التي شكلتها حركة حماس.

ليس هذا فحسب؛ بل إن الدولة الصهيونية ومن خلال هذه الخطة ستحقق عدة أهداف حاولت مراراً أن تمهد لها؛ ومن هذه الأهداف أن تختلق واقعاً جديداً يكون في مظهره ممهداً لميلاد الدولة الفلسطينية المرتقبة، وفي جوهره إجهاضاً لجنين المولود المنتظر، وعلى أقل تقدير سيخرج للنور مولوداً مشوهاً، وهذا ليس تجنياً إذا ما علمنا أن مدير مكتب شارون «نايسجلاس» لم يُخفِ أن فك الارتباط هي خطة لقطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية.

إضافة لذلك فإن تَبَنِّيَ الحكومة الصهيونية لهذه الخطة، والترويج لها عالمياً؛ سيزيح الأنظار عن عدة أمور يشكل الالتفات الدولي لها إزعاجاً لحكومتهم، فبإخلاء بؤر استيطانية صغيرة تغـطي حقيـقة توسـعها في مسـتوطنات كـبيرة، مثل: (أرئيل) و (معاليه أدوميم)، وبالحديث عن أن الخطة ستنتهي بإقامة دولة فلسطينية دون الإشارة إلى شكل هذه الدولة؛ ستزيح الأنظار عن جدار الضم والتوسع، وتعفي نفسها من أي مسؤولية قانونية عن الأوضاع المأساوية التي تعيشها الأراضي المحتلة.

وفي الوقت الذي يشغل به الفلسطينيون أنفسهم بإشكالية تمثيل المنظمة لهم، وخاصة بعد تولي حماس الحكومة الفلسطينية؛ تقوم الدولة الصهيونية ومن خلال خطتها بإلغاء أي دور للمنـظمة وحتـى السـلطة فيـما يخص التعامل مع العدو، فخطــوات فـرض الواقـع لن تبقي مـا يمـكن التـفـاوض علـيـه؛ لا حدود، ولا معابر، ولا لاجئين، ولا حتى القدس، وعلى الفلسطينيين الانتباه لذلك، وبدلاً من الخوض في جدال حول الصلاحـيات ـ وخاصـة فيما يتعـلق بطريقة التعامل مع الصهاينة ـ عليهم التفاهم على أسلوب التعامل مع الوجه الجديد للاحتلال من وجهة النظر الدولية.

الخطة الصهيونية لـ (كاديما) تعبر عن وجه جديد للاحتلال بأهدافه القديمة، وعلى مبدأ «لا شيء دون مقابل» في علم السياسة فلا يمـكن أن نفـهم الخـطوات الصـهيونية الجـديـدة إلا أنها الطريق الجديد لمزيد من السيطرة والاحتلال، وليس شعوراً مفاجئاً بأهمية السلام في المنطقة، أو الإيمان بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية. وبالعودة إلى سياسات الدولة العبرية والحركة الصهيوينية؛ فإن الاستيلاء والضم والتوسع هو طريقها لتنفيذ الطموحات، والمفاوضات والنقاش خارج نطاق خياراتها.

لذلك يمكن القول: أن خطة كاديما الجديدة بما تحويه من إخلاء لبعض المستوطنات وتوسيع لأخرى، واستمرار الجدار، ومزيدٍ من الطرق الالتفافية؛ ما هي إلا استمرار للصراع بوتيرة أكثر خطورة، وفي الوقت الذي تحاول فيه الدولة الصهيونية الترويج لخطتها على أنها خطوة في طريق السلام، لا يمكن فهمها إلا كخطوة في طريق فرض الحلول وتقزيم سقف المفاوضات إن تمت العودة لها، بحيث تصبح أي نتيجة للمفاوضات خارج نطاق المحظور صهيونياً.

والدلائل كلها تشير إلى: أن دولة العدو ماضية في طريقها نحو فرض مزيد من السيطرة على الفلسطينيين، ومن هذه الدلائل:

< تلك الخطة الصهيونية الجديدة ستنتهي حسب تعبير (أولمرت) بدولة فلسطينية قابلة للحياة؛ لكنها في حقيقة الأمر ستنتـهي بتجـمعات سـكانـية كثـيـفة ومتـفرقـة، نُسميها دولة أو إمبراطورية إذا شئنا، وقابلة للحياة لكن بمساعدة الآخرين ومن بينهم العدو. قطاع غزة يشكل إقليماً منفصلاً، والضفة الغربية تضم ثلاثة أقاليم منفصلة؛ الأول: في الجنوب ينتهي بمستوطنة «جوش عتصيون»، والثاني: في الوسط ينتهي بمستوطنة «معاليه أدوميم»، والثالث: في الشمال ينتهي «بأرئيل». أين الدولة إذا؟! أم أن كرم العدو تجاوز الحدود ليسمح للفلسطينيين بإقامة أربع دول؟! هذه الحالة التي ستخلفها خطة كاديما تجعل من تسميتها خطة الفصل أمراً مناسباً، لكن ليس فصل الصهيوني عن الفلسطيني؛ وإنما فصل الفلسطيني عن الفلسطيني.

< ليس تجزؤ الأراضي الفلسطينية والشعب هو المؤشر الوحيد على أن هذه الخطة لا تهدف سوى لتحقيق أهداف الدولة العبرية، فإنها وإن خرجت من بعض المستوطنات وأخلت سكانها من منـاطق عـدة؛ إلا أنهـا خـرجـت وغلّقت الأبواب، وقالت: هي لكم، لكن دون معابر للخروج ودون موارد للحياة، معابركم بإشراف أمني أوروبي يضمن سلامة الدولة العبرية، ومطار مغلق، وموانئ وشواطئ خاوية إلا من ملاحيها حرصاً على أمن «كيانهم». هذا في غزة والأمر في الضفة أكثر وضوحاً؛ فالمعابر إلى الآن تحت السيطرة الصهيونية الكاملة، وحتى بعد تنفيذ الخطة يتوقع أن تقع معابر الضفة تحت إشراف دولي كما هو الحال في غزة؛ وبتنسيق أمني مع الأردن كما هو التنسيق مع مصر. وتبقى المناطق الإستراتيجية في الضفة تحت سيطرة الدولة الصهيونية كما أكد (أولمرت) من: أن دولته لن تتخلى عن غور الأردن تحت أي ظرف.

< إضافة للدلائل سابقة الذكر؛ فقد عمل القوم على ضم العـديد من المنـاطق ذات الـوفرة المائية والخصوبة الزراعية، ومـن خلال جدار الضم والتوسـع تـم احـتواء هـذه المنـاطق التي تشـكل مصـدر حياة للفلسـطينيين، ويكـون كذلك فـي يـدهـا لا الماء فحسب؛ بل الكهرباء والغاز والوقود وحتى المناطق الأثرية والسياحية؛ وهذا ما دفع رئيس الوزراء الفلسطيني (إسماعيل هنية) للمطالبة بربط غزة بشبكات الكهرباء والوقود المصرية؛ لتجنب الابتزاز الصهيوني.

في ظل هذه الحالة المخطط لها يجد الفلسطيني نفسه مكتوف الأيدي أمام حاجاته اليومية؛ فلا أراضي زراعية يعمل بها، وإن وجدت فلا منفذ لتصدير منتجاتها، ولا مناطق صناعية تستوعب العمالة الفلسطينية، وحركة تجارة ضعيفة ليصبح خيار العمل في المشاريع الصهيونية فرصةً لا فرار من اغتنامها، وهنا يعود الاقتصاد الفلسطيني رهينة لتصاريح العمل من دولة العدو.

هذه الدلائل هي مؤشر واضح على الاحتلال الجديد بأدواته التي لن تكلفه عناء الدخول إلى الأراضي المحتلة، فهذه المرة سلاحه ليس «الأباتشي» وإن لم تفارق أجواء غزة؛ وإنما قطرة الماء، وليس «الميركفا» وإن لم تترك شوارع نابلس؛ وإنما كسرة الخبز، وليس «الإف 16» وإن ما زال أزيزها يدوي في آذان الأطفال؛ وإنما شمعة تزيح عتمة الظلام.

فما أقساها من أدوات، وما أبشعه من احتلال! ليس من متطرفي القوم بل حتى من علمانييها، فكلهم صهاينة إذ لا يمكن أن يجنى من الشوك العنب.


(ü) مدير قسم الدراسات ـ المركز الفلسطيني للديمقراطية والدراسات ـ.

للعودة للصفحة الرئيسة