أسر الجندي الصهيوني: مرحلة استراتيجية جديدة في الصراع

 

طلعت رميح

الاستنتاج العام من كل ما نراه جارياً على أرض فلسطين المباركة منذ سنوات، والذي يظهر بجلاء كخلاصة كلية للأحداث منذ وصول حماس إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية وحتى (عملية الوهم المتبدد) التي تم من خلالها أسر جندي صهيوني وتوابعها، هو أن محصلة الصراع بين مكونات القدرة الاستراتيجية الكلية لدى المجتمعين الفلسطيني والصهيوني، تشير بلا شك إلى أن المجتمع الفلسطيني أثبت أنه الأكثر امتلاكاً لعوامل الصمود والإرادة في المواجهة والصراع، والأقدر على السير نحو إحراز النصر؛ إذ كل الخطوات الجارية في الصراع ـ خلال عملية الوهم المتبدد وما بعدها ـ تشير إلى أن الكيان الصهيوني لم يعد لديه من معالم قوة سياسية أو اقتصادية أو تسليحية إلا واستخدمها في الصراع ـ وهو متمتع بغطاء دولي لم يحظ به من قبل، ومن صمت عربي لم يصل إلى هذا الحد من قبل أيضاً ـ وأنه لم يعد لديه من مقدرات لم يرمِ بها في المعركة ضد الشعب الفلسطيني دون أن يتمكن من تحقيق النصر عليه، بينما المجتمع الفلسطيني ما يزال في تطور متدرج متصاعد باضطراد لقدرته وقوته ووسائله وعوامل صموده، وهو ما جعله ليس فقط قادراً على هزيمة وإفشال الاستراتيجيات الصهيونية التي جرى فرضها بحكم موازين القوة المرحلية، وإنما على فرض استراتيجياته هو وفق حالة متدرجة متصاعدة من القوة يحقق بها الانتصار تلو الانتصار. وهو ما يجعل أي تغير في التوازن الدولي والعربي إلى حالة إيجابية بمثابة الدفعة القوية المباشرة له.

لقـد أكـدت عمـلية المقاومة الفلسطينية الأخيرة في غزة، وما تلاها من عمليات عدوانية صهيونية ضد الشعب الفلسطيني، أن الشعب الفلسطيني يتمتع بحيوية وتطور في القدرة تجعل نضاله في خط صاعد من التطور ـ لا يتعارض ذلك مع حدوث حالات هبوط والقيام بمناورات تكتيكية بما في ذلك حتى إطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير دون صفقة محددة لتبادل الأسرى ـ ومن قبل كان ذلك ما جسده التوافق الوطني الفلسطيني حول وثيقة الأسرى والمعتقلين وحول حكومة الوحدة الوطنية، وقبلاً وصول حماس إلى الحكم في انتخابات يباهي الفلسطينيون بها العالم، بل إن ذلك هو ما أكدته تجربة الشعب الفلسطيني منذ الانتفاضة الأولى في عام 1987م.

بينما جاءت عدم قدرة الجيش الصهيوني على منع العملية والفشل في مواجهة القائمين بها وردود الفعل الصهيونية عليها، ومن قبل الخطط الاستراتيجية التي وُضِعت لإجهاض معالم قدرة وقوة الشعب الفلسطيني وإجهاض تجربته التحررية ـ منذ أوسلو وحتى الآن ـ جاءت تأكيداً على أن المجتمع الصهيوني وقيادته تنتقل من فشل استراتيجي إلى آخر، ومن تراجع إلى آخر.

وإذا كان المثال المبسط والأبرز على مدى ما يتمتع به المجتمعان الفلسطيني والصهيوني من عوامل صمود قد ظهرت من خلال المقارنة بين تأثير العمليات الفدائية على المجتمع الصهيوني الذي أصيب بحالات من الهلع والخوف، وبات الكثير مـن أفـراده يفـكرون بالهـجرة، وتأثـير العمـلـيات الصـهيونــية ـ الواسعة في مداها وقدرتها على إيقاع الخسائر في الطرف الفلسطيني بما لا يقاس بالقدرة العسكرية للمقاومة ـ على المجتمع الفلسطيني الذي واجهها بمزيد من التشبث بالأرض والدفاع عنها؛ فإن التطورات الأخيرة قد أكدت على النمط الشامل للعملية التطورية في القدرة الفلسطينية والتراجع بالمقابل للحالة الصهيونية.

في التطورات الأخيرة، لم يكن المفاجئ للبعض فيما يجري حالياً من حالة حادة من الصراع، هو مستوى الصمود الذي تمتع به الشعب الفلسطيني ـ الذي يقف وحيداً بلا غطاء رسمي عربي أو دولي ـ فذلك أمر رآه الجميع وأدركه من قبل وبات مستقراً، بل كان المفاجئ هو قدرة حماس على التحول من التركيز على الجانب السياسي الداخلي ـ بثبات ورباطة جاش وتخطيط محكم وتمسك حديدي بقرار وقف النار رغم كل الاستفزازات الصهيونية ومن جماعات داخلية ـ إلى العمل المقاوم مجدداً، ومن خلال ضربة استراتيجية عسكرية في وزن مهاجمة قاعدة عسكرية صهيونية، قتلوا وأصابوا خلالها جنوداً صهاينة، ودمروا دبابة ومدرعة وعادوا بجندي أسير. وكذلك من خلال نمط إدارتها للأزمة من بعد. وكذلك كان المفاجئ هو أن حماس قام مجاهدوها بهذه العملية بعد أن تمكنت من إجهاض الخطة الصهيونية لإشعال الفتنة والحرب الأهلية وهزيمتها، ومن إجهاض محاولة حصارها، وأنها تحولت بعد عام من العمل الدفاعي إلى حالة الهجوم الاستراتيجي على المستويات العسكرية والسياسية الداخلية وعلى صعيد المواجهة مع العدو الصهيوني؛ إذ أصبحت صاحبة اليد العليا في القرار السياسي الفلسطيني سياسياً وعسكرياً، وصاحبة القدرة الأعلى في امتلاك المبادرة على الفعل وفرض برنامجها النضالي على عدوها، ليس فقط بوجودها في الحكم وبالعودة إلى العمل المقاوم بعمليات من هذا الوزن ـ وهو يعني حالة أدق من حشد الطاقات الفلسطينية ـ ولكن ـ أساساً ـ بتحويل سلطة القرار الفلسطيني من مؤسسات أوسلو إلى مؤسسات الفصائل السياسية المعارضة لأوسلو إجمالاً، وهو ما يمثل تغييراً جذرياً في أفق الجهاد الفلسطيني، وإفشالاً لكل الاستراتيجية الصهيونية منذ أوسلو وحتى الآن، وبفرض المعارك على عدوها وإدارته بأزمات خططت لها ونفذتها ووضعت فيها عدوها في حالة رد الفعل، أو بما جعله هو في حالة دفاعية استراتيجياً (حتى لو كان في حالة هجوم تكتيكي).

ذلك أن ملخص الحالة الراهنة في أحداث غزة منذ (عملية الوهم المتبدد) وحتى بدء إعراب قادة من الكيان الصهيوني عن استعدادهم لعقد صفقة تبادل الجندي بأسرى فلسطينيين ـ مع صدور تصريحات متشددة أخرى برفض أية عملية لتبادل الأسرى ـ هو أن حماس فرضت استراتيجيتها بوضع العدو في أزمة ـ حرفته بها عن كل استراتيجياته المرسومة التي كان جارياً تنفيذها ـ ووضعت هي أُطُر حلها بما يحقق مكاسب جديدة للشعب والنضال الفلسطيني، بعد أن أفشلت كل جهوده السياسية والعسكرية الساعية إلى حلها وفق مصالحه هو.

وإن ملخص تطورات الصراع بالإجمال تشير إلى تجدد القدرة الفلسطينية وتصاعد قدرتها وعوامل قوتها، في مواجهة حالة مختلفة بدا عليها المجتمع الصهيوني ـ من نخب سياسية وعسكرية وجمهور ـ أنه استنفد فيها كل وسائله في الصراع ضد الشعب الفلسطيني، وتوقف عن التجدد أو لم يعد قادراً على تشكيل نمط من الهجوم الاستراتيجي الذي ينهي المقاومة أو يوقف حالة التجدد في القدرة والقوة الفلسطينية. وهذا هو خط الصراع الصاعد لمصلحة الشعب الفلسطيني رغم كل الخسائر التي يُمنى بها في المواجهة الراهنة بحكم طبيعة موازين القوى العسكرية.

ü انقلاب استراتيجي:

كان وصول حماس إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية بعد إحرازها أغلبية برلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني بمثابة الزلزال في الداخل الفلسطيني وعلى صعيد الموقف الرسمي العربي كما هو على صعيد الوضع الدولي. وفور ذلك تكاتفت جهود أطراف ودول كثيرة ضد هذا الحدث المزلزل، كما رسمت سيناريوهات عديدة لإسقاط حماس عن الحكم ـ باعتباره بداية لانقلاب استراتيجي في الوضع الفلسطيني وفي نمط واستراتيجيات الصراع، ونموذجاً قد يمتد إلى دول أخرى ـ بين حصار وتجويع للشعب الفلسطيني حتى «ينتفض» ضد حماس ويسقطها، وإشعال فتيل للحرب الأهلية بين الفصائل الفلسطينية خاصة فتح وحماس وهي التي جرت بعض ممارساتها ونالت كوادر من حماس ومؤسسات فلسطينية كان من نصيبها الحرق، انطلاقاً من صراعات بين الحكومة والرئاسة حول صلاحيات القرار ووفق وقائع عملية أهمها من يسيطر على معبر رفح: قوات وزارة الداخلية، أم قوات تابعة للرئاسة؟ وقضية القوات التي شكلها وزير الداخلية الفلسطينية من العناصر العسكرية للفصائل الفلسطينية في غزة وهو ما اعتبرته تشكيلاً لسلطة موازية رغم أنه استهدف بدء تحويل السلطة إلى مؤسسة مقاومة للفتنة الداخلية وللعدوان الخارجي أيضاً.

وقد بلغ من شدة بأس الأحداث على نفوس البعض أن بات يحمِّل الكيان الصهيوني مسؤولية وصول حماس إلى الحكم بسبب إضعافها السلطة الفلسطينية وممارساتها ضد الشعب الفلسطيني، إضافة إلى ما دأب البعض على الجهر به من أن وصول حماس إلى الحكم ناتج خلافات فتح وصراعاتها وفساد أجهزة السلطة وبعض رموزها لا عن شعبية حماس وجماهيريتها.

وبينما الأمور في تصاعد من عنف إلى عنف ومن توتر إلى أشد منه على الساحة الفلسطينية ـ وهو ما جعل الجميع يضع يديه على قلبه خوفاً على الجهاد الفلسطيني ـ ظهرت قضية وثيقة الأسرى، لتصبح محوراً لمخطط يستهدف دفع حماس خارج الإجماع الوطني الفلسطيني بسبب رفضها صيغة الوثيقة دون تعديل، من خلال الاستفتاء عليها، وإذا بالحوار الوطني يصل إلى إقرار للوثيقة بعد تعديلها، بل يتوصل إلى توافق حول تشكيل حكومة للوحدة الوطنية؛ وفي هذا التوقيت بالذات وعلى خلفية من هذا الإجماع جرت عملية «الوهم المتبدد» لتبدد كل الأوهام الاستراتيجية الصهيونية والأمريكية والأوروبية ولدى بعض الأطراف العربية وداخل فلسطين، وهو ما أحدث انقلاباً استـراتيـجياً في الأوضاع لتصبح القيادة الصهيونية في المأزق ـ بدلاً من حماس ـ ولتصبح حماس في موقف الهجوم الاستراتيجي، لا القيادة الصهيونية، مما دفع القيادة الصهيونية إلى حالة من الارتباك والتوتر انعسكت على وقائع العدوان على غزة.

وهي تطورات تلخص في وجهتها العامة (سيناريو) متكرراً منـذ توقيـع اتفـاقات أوـسلو؛ إذ تمـكنت حمـاس مـن إفـشال كل استراتيجيات إجهاض النضال الفلسطيني بين مرحلة وأخرى، حتى وصلنا إلى هذا الانقلاب الشامل في أوضاع الصراع، بوصول حماس إلى رئاسة الحكومة وإفشال مخطط الحرب الأهـلية، والاتفاق على وثيقة الوحدة الوطنية والعودة للعمل المقاوم.. إلخ.

ü الصهاينة والأمر الواقع:

وفي تتبع تطورات الموقف قبل وبعد عملية الوهم المتبدد، فإن المحصلة للوقائع والأحداث تشير إلى أن القيادة الصهيونية ستضطر في نهاية المطاف للقبول بالواقع الجديد حالياً على الصـعيـد الاستـراتيـجي، ضـمن حالة صراعية ستحاول خلالها إعادة الأوضاع إلى حالة تكون هي فيها صاحبة المبادرة لا حماس. غير أن العوامل التي تتهيأ لحماس لتحويل الانقلاب الراهن في الأوضاع إلى حالة دائمة ـ عبر تعرجات ومشوار متعدد المصاعب بطبيعة الحال ـ هي أعلى من العوامل التي تتهيأ للقيادة الصهيونية في الوقت الراهن ومستقبلاً للعودة بالأوضاع مجدداً إلى حالتها السابقة. وإذا كان من البديهي أن العوامل في مثل هذه الأنماط من الصراعات لا تقاس بمدى القدرة العسكرية ـ لو كان الأمر يقاس بالقدرة العسكرية والتكنولوجية ما انتصرت أية حركة مقاومة؛ إذ يكون المحتل أقوى عسكرياً ـ فإن مراجعة العوامل المتاحة لكل من طرفي الصراع يظهر أنها من الآن فصاعداً ستكون إلى صالح حماس وحركات المقاومة والنضال الفلسطيني لا العكس، حتى لو جرى اتخاذ تكتيكات تراجعية من قِبَل حماس؛ إذ إن ذلك أمر طبيعي في المراحل الانتقالية للوصول إلى تثبيت حالة الانقلاب في استراتيجيات الصراع.

على الصعيد الدولي فإن كل المؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة ـ التي هي أحد أهم مصادر الدعم للموقف الصهيوني ـ تتراجع سطوتها في الحالة الدولية، وأن القادم إلى البيت الأبيض من بعد تجربة الرئيس بوش لن يكون في حالة من القوة دولياً تسمح له بالاستمرار في حالة الدعم المطلق الراهنة للكيان الصهيوني، التي هي في الحالة العامة ليست نتاجاً لموقف داخلي في الولايات المتـحدة ـ ناتج عـن سـطوة اللوبي الصهيوني ـ وإنما هي أيضاً تعبير عن المصالح الأمريكية ذاتها. وإذا كانت تجربة كلٍ من إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وما يجري في أمريكا اللاتينية إجمالاً هي مؤشرات على التراجع الأمريكي، وكذا ما يجري في أفغانستان مؤشرات من نوع آخر على النتيجة نفسها، فإن مؤشرات التوجه الاستراتيجي الصهيوني نفسه نحو الصين والهند والعودة إلى إصلاح العلاقات مع أوروبا بإلحاح هي مؤشرات أخرى.

وعلى الصعيد العربي، فإن الضغوط الأمريكية المكثفة على النظم العربية باتت في حالة تراجع ـ خاصة بعد وصول حماس للحكم خوفاً من تكرار التجربة بوصول إسلاميين إلى الحكم في دول عربية أخرى ـ وإن كانت النظم لم تستعد أية حالة مبادرة للتملص من الضغوط الأمريكية بسبب ما تعيشه من حالات قلق واضطراب داخلي، وكذلك إذا كانت حالة الضغط الأمريكي قد تحولت لدى بعض النظم إلى حالة تغيير في الاتجاه لا في الأولويات؛ وحتى مع صحة القول بأن الحركة الشعبية العربية تعاني من حالة همود؛ فإن الرؤية المستقبلية لتطور الأوضاع في العالم الإسلامي كله تؤكد مرحلية الأوضاع الراهنة وأن المستقبل يتحرك باتجاهات أفضل على صعيد دعم الجهاد الفلسطيني، بحكم تصاعد المد الإسلامي وازدياد معالم خبرته السياسية وضعف الأوضاع الرسمية أيضاً، وبالنظر إلى المقاومة الفلسطينية لم تعد وحدها في معركة تحرير الأمة بما يضعف ولا شك قدرات الأطراف المهاجمة.

وفي الوضع الداخلي الفلسطيني ـ وهذا هو العامل الأهم ـ فإن المتابع لإرهاصات الوضع الداخلي الفلسطيني عبر السنوات الماضية، يستنتج بيسر ووضوح أن فصائل المقاومة الفلسطينية والحالة المقاومة باتت تتجذر في داخل المجتمع الفلسطيني، وأن الإجماع الفلسطيني حول المواجهة مع الكيان الصهيوني بات هو الأصل، وأن النخب المهترئة والأكثر ارتباطاً بالرؤى الأمريكية والصهيونية قد تعرضت لانهيار كبير ـ يذكرنا مع الفارق بالانهيار الذي حدث للنخب العلمانية المتغربة في تركيا والمغرب حالياً ـ وهو ما أدى في النهاية إلى خروج كل أغلبية النخب الفلسطينية التي ارتبطت بمشروع أوسلو من دائرة التأثير السياسي في المجتمع الفلسطيني، وهو ما يشير إجمالاً إلى خط متصاعد بثبات من قِبَل المجتمع الفلسطيني على مواجهة الاحتلال وتحقيق النصر.

ü استراتيجية حماس:

وفي كل تلك الأوضاع والمتغيرات والأحداث الجسام، فإن ما ظهر لكل من انتقد حماس في وصولها للحكم عن طريق الانتخابات ولمن أيدها من منظور أن العمل السياسي أفضل من العمل المقاوم على الأقل في تلك المرحلة بسبب الأوضاع الدولية والعربية الرديئة ـ أو حتى لمن تصور أن حماس تسير على طريق فتح وأن المسألة هي مسألة وقت ـ هو أن موافقة حماس على وقف عملياتها خلال مرحلة ما قبل الانتخابات وما بعد وصولها إلى الحكم، لم يكن إلا إعداداً واستعداداً لتطوير الفعل المقاوم وفق استراتيجية شاملة للنضال والجهاد الفلسطيني، وأن استراتيجية حماس؛ إذ هي مبنية على أسس عقائدية راسخة فإنها أيضاً تتعاطى مع الظروف والموازنات السياسية دون تخلٍّ عن الثوابت، وهو ما يجعلها مؤهلة لقيادة الشعب الفلسطيني وتحقيق الانتصارات.

لقد بدأت حماس خطواتها الجهادية من خلال البناء العقائدي لقيادييها وأعضائها، كما أنها دلفت إلى مختلف أنماط العمل الدعوي والخيري لتأسيس صلات قوية وراسخة لوجودها ضمن إطار الشعب الفلسطيني. وخلال الانتفاضة الأولى في عام 1987، تمكنت حماس من ترسيخ الجهاد الفلسطيني على أسس عقائدية ووفق استراتيجية للصراع في داخل الأرض الفلسطينية لا من خارجها. وإذ جرى توقيع اتفاقات أوسلو لأهداف مختلفة لدى أطرافها أو متعددة، رأت فيها حماس أنها تأتي لقطع الطريق على التطوير الشامل للجهاد الفلسطيني أو محاولة لتكريس حالة نهائية من الحلول للقضية الفلسطينية على حساب الثوابت العقائدية والسياسية للصراع ولحساب استقرار المشروع الصهيوني ـ في نهاية المطاف ـ فقد تحولت استراتيجية حماس باتجاه إفشال أوسلو عن طرق تعطيل خطواتها خطوة خطوة. ومن بعدُ تحولت حماس إلى استراتيجية للوصول إلى اعتمادها كقيادة رسمية للشعب الفلسطيني وهو ما حققته من خلال الانتخابات التشريعية ومن خلال إفشال خطة إشعال الحرب الأهلية وتنازع السلطات داخل الجهاز الجنيني للدولة الفلسطينية، إلى أن تمكنت من الوصول إلى اتفاق مع الفصائل الفلسطينية الأخرى حول وثيقة للإجماع الوطني وإلى تحويل الفصائل الفلسطينية السياسية والعسكرية إلى قيادة النضال الفلسطيني وهو ما مثَّل إنهاءً لكل النتائج التي ترتبت على أوسلو، وهنا جرت (عملية الوهم المتبدد) كانطلاقة لمرحلة جديدة من الهجوم الاستراتيجي السياسي والجماهيري والعسكري.

ü ليست قضية الجندي:

وفي ضوء هذه الرؤية، فإن ما يجري في غزة حالياً أو على صعيد العدوان الصهيوني والثبات والصمود والإرادة الفلسطينية، وإن ارتبط بقضية الجندي الصهيوني الأسير، إلا أنه أبعد وأعمق.

تظل قضية اسر الجندي الصهيوني قضية بالغة الدلالة والأهمية للطرفين: الفلسطيني والصهيوني؛ إذ هي فلسطينياً عنوان للتطور في القدرات السياسية والعسكرية لحماس والمـقاومة، وورقـة للضغط على الجانب الصهيوني وإخراج له عن استراتيجياته التي كانت تستهدف إثارة أقل قدر من المـعارك ـ لا المعارك الواسعة ـ لتمرير مخطط ضم أجزاء من الضفة الغربية بأقل قدر من الخسائر السياسية، أو ربما عبر تحقيق نجاحات سياسية بتقديمه للراي العام على أنه دليل «لجنوح إسرائيل للسلام». كما هي صهيونياً أمر بالغ الخطر على معنويات الجيش والمجتمع الصهيوني، وذات تأثير حاسم على الحكومة الصهيونية الراهنة وعلى المستقبل السياسي لأولمرت وعامير بيرس بشكل خاص.

لكن ما يجري بالأساس هو تحول استراتيجي في أوضاع الصراع وهذا ما يجعل قضية الجندي أشد تعقيداً باعتبارها رمزية لهذا التحول، وهو ما يقلل من أهميتها في الوقت ذاته باعتبارها ورقة من أوراق الصراع لا قضية التحول ذاته. ومن ثم فإذا تمكنت حماس من فرض إرادتها على الجانب الصهيوني والوصول إلى صفقة تبادل أسرى من خلالها فستكون قد دشنت المرحلة الاستراتيجية الجديدة بانتصار يضاف إلى انتصار مهاجمة القاعدة وأسر الجندي وتغيير مسار الوضع الفلسطيني، وإذا لم تتمكن، فإن ذلك لا يؤثر كثيراً على ما حدث من تحولات عميقة.


(ü) رئيس تحرير مجلة استراتيجيات ـ مصر.

للعودة للصفحة الرئيسة