|
المنطقة العربية وتداعيات سبتمبر الأمريكية إعداد: وائل عبد الغني
بسم الله الذي باسمه يستفتح كل خير ويستدفع كل شر، والصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه ومن تبعه وسلك طريقه إلى يوم الدين. مرحباً وأهلاً بضيوفنا الكرام الذين يشاركوننا في ندوتنا هذه التي تطرح قضية الساعة ونازلة العصر، والدور الأمريكي، (كعنصر حساس ومؤثر في التوجهات السياسية العربية) في المنطقة العربية (كمجال حيوي للنفوذ الأمريكي) في ظل تداعيات سبتمبر، والتي تحاول أن تستقرئ أهم النتائج وأخطر التداعيات، وتحاول أن تجيب عن عدة تساؤلات حول هذا الموضوع: إلى أي حد تغيرت أو تأثرت السياسة الخارجية الأمريكية بأحداث سبتمبر؟ وما أبعاد هذا التغير إن وجد على المنطقة العربية؟ وهل يعني ذلك تغير ثقل المنطقة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية؟ وما التحديات التي تفرضها أو تحاول أن تفرضها السياسة الجديدة نحو المنطقة؟ وما طبيعة الاستجابات على المستوى الفكري والمستوى العملي والتي يمكن أن تدفع رياح الشر القادمة والقائمة عنا؟ ـ البيان ـ ·ضيوفنا في هذه الندوة هم: أ. د. أحمد الرشيدي: أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. أ. د. حامد عبد الماجد: أستاذ النظم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. أ. طلعت رميح: رئيس تحرير جريدة الشعب المصرية. أ. د. مصطفى منجود: أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. · مقدمات منهجية: البيان: يبدو أن لضيوفنا الكرام ملاحظات مهمة بين يدي هذا اللقاء لرسم إطار عام للندوة: - أ. د. أحمد الرشيدي: أشكر مجلة البيان على هذه الدعوة الكريمة في هذه الحلقة النقاشية، وأستهل حديثي بملاحظتين رئيستين تتعلقان بتشخيص الصورة الراهنة للواقع العربي الإسلامي، من أجل مواجهة هذه الصورة المغلوطة التي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ترسخها لدى الرأي العام الأمريكي ولدى الرأي العام الأوروبي: الملاحظة الأولى: تتعلق بحقيقة أن ما حدث في 11 سبتمبر لا يمثل في الحقيقة تاريخاً فاصلاً؛ فالأمريكيون مغرمون ببعض المصطلحات التي ترتبط بصورة وثيقة بفكرة: «الماقبليات» و«المابعديات»، وعلى هذا فإن الموقف الأمريكي خاصة والمواقف الغربية عموماً إزاء العرب وإزاء المسلمين مواقف معروفة على الأقل منذ الحرب العالمية الأولى وليست جديدة علينا، وما حدث في 11 سبتمبر في تقديري ربما زاد من الأمر وضوحاً، وربما كشف للبعض عمّا كانوا يحاولون إغماض الطرف عنه. الملاحظة الثانية: وفق تقديري.. أنا لست مع من يروجون ويرسخون في أذهانهم لفكرة أن الولايات المتحدة هي الآن القطب الوحيد الذي يملك عصا سحرية يوجه مسار حركة الأحداث على المستوى العالمي، وأنها ستكون كذلك على الأقل خلال المستقبل المنظور أو المتواصل.. أرى أنه من الخطأ أن نرسم حساباتنا انطلاقاً من هذه الفكرة؛ لأننا بذلك سنخسر معركتنا، وهذا يفرض علينا أن نستقل في رؤيتنا وأن ننوع مصادرنا.. أن ننوع مستويات حركتنا. نعم الولايات المتحدة الأمريكية هي قوة كبرى وهي قوة لها قدر كبير من الهيمنة. ولكن هذا لا ينفي وجود قوى أخرى موجودة أو يتوقع وجودها خلال المستقبل القريب، وأرى أن أي دولة مالكة للسلاح النووي تتساوى مع الولايات المتحدة الأمريكية في مسألة الردع. - د. مصطفى: استكمالاً للجانب المنهجي الذي بدأه الدكتور أحمد وهو جانب مهم جداً، أنطلق أيضاً من مجموعة من الملاحظات أراها على درجة كبيرة من الأهمية بالنظر إلى الحدث ككل؛ لأنه يضع البوصلة أمامنا في أسلوب التعامل مع هذه القضية الخطيرة: أولى هذه الملاحظات: كانت أحداث سبتمبر نقطة انطلاق لتداعيات خطيرة على مستوى الفكر والحركة أحدثت نوعاً من الاضطراب والبلبلة.. واختلط الكثير من الأمور، وتداخلت كثير من المقدمات، وتوصلنا إلى نتائج ربما على عكس ما نريد وعلى عكس ما نتوقع.. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة كان لها الصوت الأعلى الذي حاولت من خلاله إفهامنا أن الذي حصل ليس فقط كارثة لأمريكا فحسب وإنما للعالم ككل. الملاحظة الثانية: التحدي الذي تمخضت عنه الأزمة، بالنسبة للعرب والمسلمين هو تحدٍّ متعدد الاتجاهات ومتعدد الضربات ومتعدد الأبعاد. وأظن أن التوصيف الإسلامي الذي هو الأقرب إلى الدقة والصواب هو أن هذا ابتلاء، وابتلاء شديد؛ لكنه ربما لم يكن الأشد في تاريخ المسلمين؛ فهم قد تعرضوا لابتلاءات شديدة وكبيرة ربما فاقت ما حدث بعد أحداث سبتمبر، والذي يهمنا هنا أولاً هو أن ندير الابتلاء بشكل ينفع العرب والمسلمين. ولكن قبل أن ندير الابتلاء علينا أن يتوفر لنا إرادة الإدارة؛ وهذا يعني أن يكون لك قدر من الخصوصية وقدر من حرية الحركة في اتخاذ قرار إدارة هذا الابتلاء، ولا يسوغ أن نقف عند مرحلة تشخيص الابتلاء. الملاحظة الثالثة: إن من أخطر ما يمكن أن تتمخض عنه الأحداث أن أصبح الحاضر الغائب في تداعيات ما بعد سبتمبر هو الإرهاب الإسلامي وكأن المسألة هكذا تتحرر ـ رغم عدم توافر الأدلة ـ بأن المسلمين هم المتهمون، وهذا خطير؛ لأنه قد يوقع كثيراً من العرب والمسلمين خاصة على المستوى الفكري ـ ناهيك عن مستوى الحركة ـ في دائرة الدفاع! وقد رأينا الكثيرين من القيادات الفكرية والقيادات الحركية وهم منهمكون في نفي التهمة؛ وكأنك شئت أم أبيت مطلوب منك أن تدافع. ولهذا فمن الخطر والخطأ أن نُستهلك في قضايا الدفاع ـ رغم أهميته ـ دون أن يكون لنا ـ لا أقول ـ هجوم، وإنما يكون لدينا مبادرة. الملاحظة الرابعة: أن العولمة الآن تكاد تتركز حول أن تصير أمركة مسعورة ونهمة حكومة بداءين أساسيين: الداء الأول: هو الهيمنة، والداء الثاني: هو الرغبة في الثأر. ولكن رغم هذه الهيمنة ورغم إرادة الثأر أنا أحسب أنها عولمة أمريكية هشة وضعيفة، بمعنى أن هناك إمكانية لاختراق هذه العولمة الأمريكية.. والبعض يتكلم عن السقوط الأمريكي؛ فهناك إمكانية للحركة؛ فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء حتى في أشد الأدواء السياسية. الملاحظة الخامسة: بالنسبة للتحول في السياسة الخارجية الأمريكية: يمكن القول إنه بالفعل قد حدث تحول في كثير من أنحاء السياسات الخارجية في العالم والسياسة الخارجية الأمريكية على وجه التحديد، ولكن السياسة الخارجية الأمريكية ليست وليدة المصادفة أو الفجائية، لكن هم يخططون، وأظن أن ما وصلوا إليه الآن لم يكن بضربة حظ. ولكن السياسة الخارجية لأي دولة من الدول لها ثوابت ومتغيرات؛ والذي حدث ربما يكون أصاب المتغيرات في السياسة الأمريكية؛ بدليل أن هناك مجموعة من هذه الثوابت لم تهتز حتى في المنطقة العربية رغم ما حدث ورغم التداعيات؛ ومن بين هذه الثوابت مسألة البترول، ومسألة الدولة القائدة في المنطقة العربية، ومسألة موقف معين من القضية الفلسطينية، و مسألة دعم إسرائيل: كل هذه ثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية، وهناك داخل هذه الثوابت أمور متغيرة، وأظن أن التغير إذا كان أصاب فقد أصاب المتغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية. الملاحظة السادسة: أن فكرة الحروب الصليبية التي أثارها الرئيس بوش ليست جديدة؛ فهناك تقرير قدم في عهد الرئيس ريجان في سنة 4891م وسُمي: «الدخول في مرحلة الحروب الصليبية الثالثة»، هذا التقرير كان يتكلم عن التعامل مع المنطقة العربية والإسلامية؛ ولهذا لم تكن زلّة لسان من بوش ولم تكن مسألة طفرية. ويقال إن أول تقرير قرأه بوش بعد ولايته للحكم هو هذا التقرير واستدعى الكثيرين ليناقشهم فيه. الملاحظة الأخيرة: حول ما تشهده المنطقة العربية من تبديد للمفاهيم؛ وهذا التبديد يتم على مستوى الفكر ومستوى الحركة. هذا التبديد أريد منه أن يخدم التحول الذي حدث في السياسة الخارجية الأمريكية عبر تفريغ الألفاظ من معانيها ودلالتها الشرعية المعرفية والمنهجية والموضوعية كما عرفناها في تاريخنا وتراثنا و حاضرنا. - د. حامد: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد: في البداية أسجل اتفاقي حول النقطة المحورية بأن ما حدث في سبتمبر لا يمثل لحظة انقطاع؛ فالمسألة السياسة لا تعرف إلا الاستمرارية؛ لكن كل ما أستطيع أن أقوله بالنسبة لهذه اللحظة أنها ربما أضافت أمرين: 1 ـ أن المتغيرات فيها كانت متسارعة من الناحية الكمية، وظن كثيرٌ من الناس أنها تمثل نقلة نوعية. 2 ـ أن هذه اللحظة أفصحت وأبانت عن كثير من السياسات التي كان السياسيون يحرصون على سترها في الماضي، فظن كثير من الذين لا يتعمقون وراء الأحداث أنها جديدة. وأضيف أنها لحظة تراكمت فيها المتغيرات وتسارعت بدرجة كبيرة قياساً على اللحظات السابقة؛ فالحدث لم يكن هيناً، كما أفصح فيها كثير من الأطراف عن سياساتهم بدرجة من الدرجات (أو أزالت برقع الحياء) مما جعلها لحظة أزمة حقيقية بكل معاني مفهوم الأزمة. سأركز على ثلاثة ملاحظات تؤكد على هذا المعنى: الملاحظة الأولى: أن المنطقة العربية ككل ذات أهمية استراتيجية بالغة في النظام الدولي أياً كانت القوة التي تُهيمن على النظام الدولي، ومن ثم فأي محاولة لعزل هذه المنطقة عن النظام الدولي، أو تصور تفسير أحداثها بعيداً عن القوى المهينة في النظام الدولي هي محاولة عابثة، وأتصور أن جزءاً كبيراً من سياسات هذه المنطقة في الوقت الراهن لا يمكن أن يُفسر بمعزل عن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، وأتصور أن هذا له على الأقل في الماضي وفي الحاضر عدة تفسيرات: - الأول: أن هذه المنطقة تمثل الند الحضاري للغرب الذي قادته بريطانيا في مرحلة، وفرنسا في مرحلة، وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة أخرى. العقلية الغربية ما زالت على مستوى الشعوب والقيادات لم تنس أن هذه الحضارة هي التي تملك البديل المحتمل لها، كما أن ذكريات الصدام المرير مع هذه الحضارة ما زالت موجودة في الذاكرة الأوربية. - د. أحمد: كأن أحد مسوغات هذا الموقف الأمريكي والغربي هو إحساسهم وشعورهم بأننا أصحاب مشروع حضاري لا يقل عن مشروعهم إن لم يكن يفوقه، ومن ثم هذا تفسير لهذا الموقف تجاه العرب والمسلمين خاصةً. - د. حامد: نعم! وهو ما أفصحت عنه لحظة سبتمبر في الخطاب السياسي للقيادات، وفي الوعي لدى النخب السياسية وصُنَّاع القرار، وأكدته ممارسة المفكرين وغيرهم؛ هذا الجزء الحضاري يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة. ـ الثاني: هو النقطة الدفاعية العسكرية، والذي يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة؛ فالمنطقة العربية تمثل خط الدفاع الأول بالنسبة لأوروبا وللولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إنها تفصلها عن الصين وأيضاً عن أفريقيا وآسيا. ـ الثالث: الجانب الاقتصادي؛ فالمنطقة العربية تبرز أهميتها الاستراتيجية بما هي غنية به ليس فقط البترول وإنما موارد أخرى تؤكد الأهمية الاقتصادية للمنطقة العربية. وأهمية المنطقة كمنطقة وصل بالعالم القديم ككل. كل ذلك يؤكد الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية فيما مضى، وزاد إدراك ذلك وأفصح عنه أحداث سبتمبر.. هذه هي الملاحظة الأولى. الملاحظة الثانية: وهي أيضاً قديمة جديدة وتتعلق بدور الكيان الصهيوني في معادلة توازن المصالح والصراع والتوازن الاستراتيجي في المنطقة من قبل أحداث سبتمبر؛ فالصراع العربي الإسرائيلي أو الصراع الإسلامي الغربي في فلسطين هو في حقيقته امتداد لجهاد المنطقة ضد الاستعمار الغربي فيما مضى: ضد فرنسا وانجلترا في مرحلة من المراحل، ثم الولايات المتحدة الأمريكية التي ورثت هذا في مرحلة ثانية؛ ولذلك فمن الطبيعي أن قوى التحرر التي حررت بلادها في موجة التحرير الأولى هي في حقيقتها القوى التي تقف اليوم وقفة حقيقية ضد الاستعمار الأمريكي وضد إسرائيل، هذه القوى كانت تستمد مشاريعها الجهادية والتغيرية من الإسلام في الأساس؛ صحيح أن ثمرته سُرقت بعد ذلك، لكن عندما عاد الاستعمار مرة أخرى في الثياب الأمريكية، وقفت هذه القوى من جديد ضد السياسة الأمريكية، وهي تعتبر القضية المركزية لها قضية الوجود الصهيوني. أما عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في مساندة إسرائيل فإنها لم تتغير في حقيقة الأمر عما كانت تسانده القوى، بل ربما ازدادت. الملاحظة الثالثة والأخيرة: وهي تتكامل مع الملاحظتين السابقتين أن تداعيات سبتمبر كما ذكرت وعلى رأسها مسألة التحكم في الإرادة العربية وتدعيم أدوات النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولهذا فإن السياسة الأمريكية في المرحلة الحالية تسعى بشكل واضح للتحكم في الإرادة العربية والإسلامية من خلال مسالك متعددة وضعت بشكل جيد، ويجب أن نرصدها بشكل علمي لتجعل كمقدمة للتحديات التي سنتناولها. - أ. طلعت: أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وسط هذه الكوكبة اللامعة من نخبة العقول المثقفة المفكرة. ليسمح لي الأساتذة الأفاضل، بأن أطرح بعض الملاحظات التي تأتي في معظمها تعزيزاً لما ذكروه. الملاحظة الأولى: مع اتفاقي على فكرة الثوابت والأهداف والمرامي الأمريكية استراتيجياً تجاه عالمنا العربي والإسلامي، ومع اتفاقي من ناحية المبدأ على أن الاستراتيجية الأمريكية في هذه المرحلة هي امتداد لفكر استراتيجي مرتب ومبرمج قبل وقوع أحداث 11سبتمبر، لكن إكمال الصورة وجعل الاستنتاجات معبرة عن مختلف جوانب الموقف يتطلب تخطي فكرة «الثبات والاستمرارية»، ويتطلب الإجابة عن سؤال رئيسي هو: هل تنطلق الولايات المتحدة في إطار (الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني) من وضع هجومي قوي، أم أنها تنطلق من وضع دفاعي، حتى ولو كانت تتحرك هجومياً؟ أو بتعبير أدق وبطريقة أخرى: هل جاءت استراتيجيتها ـ قبل وبعد 11 سبتمبر ـ من موقع الهجوم الاستراتيجي في منطقتنا (والعالم) بهدف تعزيز هيمنتها وانتصاراتها، أم لقطع الطريق على تحولات استراتيجية ـ أو ذات ملامح وأفق استراتيجي ـ إذا ما استمرت في سيرها، فإن النتيجة ستكون الإطاحة بهيمنتها وفرض نفسها كقطب وحيد في العالم، أو كحكومة للعالم؟ إن لهذا السؤال أهمية قصوى في تقدير الموقف وفي تحديد استراتيجيات المواجهة. وأنا أرى هنا أن التحالف (الأمريكي ـ البريطاني ـ الصهيوني)، ينطلق في مواقفه وتحركاته وخططه، من تقدير استراتيجي بتآكل سريع لوضع هيمنة القطب الواحد عالمياً، سواء بسبب الظهور المتنامي للقطب الأوروبي (أوروبا الموحدة) أو لتصاعد القدرات الاستراتيجية (العسكرية والاقتصادية) للقطب الصيني، أو لشعوره بنمو أو ما يشبه الحركة داخل العالم العربي والعالم الإسلامي، أو لمجرد أسباب ذاتية. ومن ثم فإن الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني، قبل 11 سبتمبر لم يكن يتحرك وينطلق من موقع أو استراتيجية الهجوم، لإكمال السيطرة والهيمنة (كما كان الحال في حالة الحرب ضد العراق في عام 0991م بشكل خاص) ولكن من موقع واستراتيجية الهجوم الدفاعي في مواجهة تراجعها كقطب مهيمن ومسيطر. الملاحظة الثانية: إن أهمية أحداث 11 سبتمبر، وتحليلها في إطار الإجابة عن السؤال السابق لها وجهان أو اتجاهان: الأول ما أشار إليه السادة المتحدثون، أي فكرة ضرب الولايات المتحدة على أراضيها، والثاني الذي أضيفه، هو أنها تأتي تطويراً للمواجهات معها ومع الحلف الصهيوني البريطاني من الخارج لتمتد إلى الداخل في العمق الاستراتيجي، وهو ما يشير إلى الانكشاف الاستراتيجي الأمريكي - بنفس حالة الكيان الصهيوني الآن - ويؤكد ملامح التراجع الاستراتيجي للحلف، والنهوض والهجوم العربي والإسلامي وليس العكس. الملاحظة الثالثة: آتي هنا إلى ملاحظة يبدو لي أنها ذات طابع خلافي؛ حيث أرى أن ثمة تغيراً حقيقياً في التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في العالم وتجاه العرب والمسلمين على وجه الخصوص، كانت ملامحها خافتة قبل أحداث 11 سبتمبر، وانجلت وأصبحت سافرة بعد هذه الأحداث، وأن ما نراه أمامنا من تحركات أمريكية ليس تغيراً فقط في أسلوب المواجهة، أي استخدام القوة العسكرية، ومن تدخل سافر في الشؤون العقدية والحضارية، وفي الأوضاع الداخلية...، وإنما هو تغير يقوم على أن هذا الحلف بات يضع الصراع مع العرب والمسلمين كهدف استراتيجي له أولوية وأكثر إلحاحاً بالمواجهة في الوقت الراهن، ينبغي تسكين الصراعات الأخرى لمصلحة تحقيق الانتصار فيه، وإن أبرز صفات هذا التغير الاستراتيجي هو اعتماد أسلوب المواجهة العسكرية والتهديد بها مع العرب والمسلمين «ككل»، و «مجموع» وليس كدول متفرقة ينبغي كسب بعضها باستخدام الوسائل الاقتصادية لتسهيل عمليات ضرب البعض الآخر كما كان يحدث من قبل، ويتم ذلك تحت شعار عام هو مواجهة الإرهاب (الإسلامي). · وقفة مع الحدث: البيان: ربما كان الخلاف في هذه القضية من قبيل الاختلاف الاصطلاحي، ولهذا نريد أن ننقل الكلام إلى طبيعة الآثار التي نجمت عن هذا الحدث العظيم، ولعل منها هو انقلاب موازين العديد من المفاهيم والتي على رأسها مفهوم الأمن القومي. - د. أحمد: إن ما حدث في سبتمبر لو حدث بالنسبة لأي دولة أخرى فمن الممكن أن نقلل من شأنه؛ لكن هذا الحدث بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن التقليل من شأنه. - د. حامد: لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الثانية عام 5491م خطراً داخلياً، ولم تواجه حرباً ما أو عملاً ما على الأرض الأمريكية، وكان الذهن الأمريكي غير مهيأ على الإطلاق لأن تواجه الولايات المتحدة حدثاً بمثل هذه القوة وهذا التحدي على الأرض الأمريكية؛ وهذا هو الذي زاد من تأثير الحدث على السياسة الأمريكية وعلى الذهنية الأمريكية؛ لم تشهد في تاريخها، ولم تكن تتصور أنه سوف يحدث لها مثل ما حدث. البيان: وكأن التقنية تحولت في يد الأفراد إلى قيد كبير على سياسات الدول! - د. مصطفى: طبعاً على قدر المكان وعلى قدر المكانة كان هذا التداعي الخطير. ولهذا ينبغي ألا نقلل من شأن الحدث لا بالنسبة للولايات المتحدة ولا بالنسبة للتداعيات عندنا في المنطقة العربية، وأرصد أولاً أن الولايات المتحدة وربما الغرب تحالف معها توقفوا كثيراً عند: من الذي أحدث الحدث؟ أكثر من التوقف عند: لماذا حدث؟ وهذا في حقيقة الأمر يثير مسألة في غاية الأهمية: هل الذي حدث سببه الإرهاب كما يزعمون؟ أو هل الذي حدث مرتبط بمسألة التوزيع العادل لقيم الاقتصاد والسياسة في العالم؟ أو مرتبط بازدواجية الدور الأمريكي في مسألة حقوق الإنسان؟ هل مرتبط برفض العولمة في صورتها الأمريكية؟ هل مرتبط بالقدس والقضية الفلسطينية كما قال بعض أعضاء تنظيم القاعدة؟ هل.. هل..؟ إن هناك تعامٍياً بشكل أو آخر عن: ما السبب؟ وهذه مسألة في غاية الأهمية إلى الآن. · الملامح الأساسية للسياسة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر: البيان: وكيف نقرأ التطورات التي استجدت على السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد سبتمبر؟ - أ. طلعت: لعل مما يفسر ذلك أن هذه هي المرة الأولى منذ حركة بيرل هاربر التي تُضرب فيها الولايات المتحدة على أرضها، وهو ما يعني أن نظرية الأمن القومي الأمريكي المستقرة منذ نشأة أمريكا، قد ضربت في مقتل؛ فإن ثمة ضرورة لإدراك حجم التأثير لهذه الضربة على الوضع الدولي لأمريكا، وحجم الارتباك الاستراتيجي الحادث للخطط الأمريكية، وحجم الدمار الذي أصيب به الاقتصاد الأمريكي، وحجم الهزيمة النفسية التي أصيب بها الجيش الأمريكي والنخب الأمريكية، بعد ضرب البنتاجون ومركز التجارة وما قيل عن محاولة ضرب البيت الأبيض. ومن ثم فإن قراءة التحرك الأمريكي البريطاني الصهيوني، الهستيري والمجنون لا يفسر فقط بثوابت الأهداف والمرامي، بل يفسر أيضاً بأنها وصلت حد الارتباك في استراتيجيتها في مواجهة العالم العربي والإسلامي. إن الحالة الفاشية، والاضطرار لتخطي كل الأساليب الديبلوماسية والخداع في التعامل مع العرب والمسلمين، وصراعها المكشوف بصدد هذه القضية ـ في بعض الأحيان ـ وطرح شعارات مثل: (معنا أو ضدنا) ليس مؤشراً على القوة الكاسحة تكنولوجياً، بل أيضاً بأنه عنوان للارتباك والشعور المتنامي بالتراجع، بما اضطرها لاستخدام قواها الاسترتيجية العسكرية للمواجهة مع الخصوم لعدم قدرتها تحقيق النجاح بالوسائل الأخرى. - د. مصطفى: لا شك أن الحدث شديد وجديد، وأحدث هزة كبيرة، وأصاب السياسة الخارجية الأمريكية وصانعي القرار بهزة عميقة. الذي أريد أن أرصده هنا أولاً: أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر نستطيع أن نميز بين مسلكين أو قيمتين كبريين في سياستها الخارجية مع المنطقة العربية: القيمة الأولى: أنه صار ينظر إلى قضية المنطقة العربية وما يعتريها من مشاكل وقضية الصراع العربي الإسرائيلي والوضع في فلسطين على أنه ليس في أولويات السياسة الأمريكية؛ فمثلاً قضية ضرب الرئيس صدام حسين وقضية العراق في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وقضية فلسطين وما يجري في الأرض المحتلة قضية أصبحت في هامش الشعور بالنسبة لهم. البيان: كأن القضية أن استرضاء العرب ومراعاة مصالحهم هو الذي لم يعد في الأولوية ! - د. مصطفى: نعم هذا الذي أعنيه! أما القيمة الثانية: (إن جاز تسميتها قيمة) أن هناك حيرة وتناقضاً في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذه الحيرة والتناقض لم يرصدها فقط المثقفون والكُتاب العرب، وإنما رصدها من في داخل البيت الأمريكي؛ فهذا فولر على سبيل المثال يسجل على الولايات المتحدة هذا التناقض وهذه الحيرة حول الموقف من فلسطين: هل نضرب عرفات ونلغيه، أم نُبقي عليه لأن الصوت العربي يقول: عرفات هو البديل وأن البدائل الأخرى...؟!! إلخ. هناك اضطراب وقلق وهناك تناقض، وهذا يعطي فرصة للحركة العربية. كيفية استثمار هذا التناقض إن جاز تسميته تناقضاً. البيان: ربما يرجع ذلك إلى ما أشار إليه بعض المحللين من أن أمريكا تعاني من أزمة استراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، بمعنى أنه لم يعد لديها استراتيجية واضحة وكاملة وذات هدف واحد كما كان الحال إبان الحرب الباردة، ومن ثم فهي تتعامل مع كل طرف وفق استراتيجية مفتوحة قائمة على التجريب أكثر منها قياماً على الرؤية المستقبلية. - أ. طلعت: هذا يؤكد تماماً ما أشير إليه من أن الاستراتيجية الأمريكية تعاني من حالة تخبط ودوار غير مسبوق، ومن ثم فهي تتحرك حركة مختلة تنم عن فكر مختل، ولعل من أسباب ذلك أنها تواجه عدواً هلامياً وعقدياً، يصعب ضربه أو اختراقه، ويمكن أن يتشكل في صور مزعجة ودون إمكان رصده، وهو ما يعني بالتعبير العامي: «مرغمة أنف العزة الأمريكية». - د. مصطفى: أعود فأكمل: يمكن كذلك أن نرصد توسعاً كبيراً في مفهوم الأمن القومي الأمريكي بصورة فجة؛ هذا التوسع يطرح عدة تساؤلات: ما تكاليفه؟ وما هي تداعياته على المنطقة العربية؟.. وهل سوف تسهم المنطقة العربية في تمويله؟ وهل سوف تشغل آلة الحرب الموجودة وتستخدم بعض الدول كقواعد ومسهلات؟ المسألة تهمنا من قريب ومن بعيد؛ فما يحدث في فلسطين يمسنا، والذي يحدث في أفغانستان يمسنا، والذي يحدث في دول (محور الشر) يمسنا، ومن الواضح أن المنطقة العربية تؤجل كل خلافاتها وصراعاتها الداخلية كي تستجيب لما يحدث، وهذا يفرض تحديات. أيضاً أرصد نقطة رابعة وهي لون من تغوُّل العولمة وهي العولمة العسكرية وما قيل إن الحرب لا تعرف الجغرافيا، ومعنى هذا أنه مسألة (Geopolitic) كما يقولون أصبحت منزوية قليلاً، لحساب الآله التكنولوجية والصناعية الغربية التي سوف تتخطى كل الحدود، وهذا يمثل أحد تداعيات العولمة وما يكمل مفهومها. لم يعد مسموحاً بفكرة ما تريده أنت؟ أو أنت ترفض أم لا؟ إنما ما أريده أنا وفقاً للتصنيف الذي يقضي بـ: (إما معي في مكافحة الإرهاب، وإما ضدي في مكافحة الإرهاب). أيضاً أرصد ظاهرة أن هناك قدراً من تنسيق المواقف لا نقول التحالف بين رجال الفكر ورجال الحركة في العقلية الأمريكية وبالذات بعد أحداث سبتمبر وهو واضح في استدعاء فكرة مثل صراع الحضارات، وما ورد في بيان المثقفين الأمريكيين، وهذه ظاهرة نعاني من عكسها في المنطقة العربية. - الدكتور حامد: إذا كان لي أن أرصد ـ كما فعل أخي الدكتور مصطفى بعض الملامح قبل أن أجيب عن سؤال حضرتك ـ بعض الملامح الأساسية للسياسة فيما بعد أحداث سبتمبر فأريد أن أتطرق إلى ستة متغيرات أساسية أو ستة ملامح أساسية: الملمح الأول: الذي لاحظته بعد أحداث سبتمبر أن هناك درجة متعاظمة أو متعالية من سيادة منطق الخضوع للإرادة الأمريكية ـ يتساوى بدرجات متفاوتة في ذلك العالم العربي والإسلامي، وحتى أوروبا بالنسبة للعالم العربي والإسلامي أستطيع أن أقول إن القرار السياسي الاستراتيجي في معظم القضايا في العالم العربي والإسلامي تحدده الإرادة الأمريكية في الوقت الراهن، هذا واضح جداً بالنسبة للقضية الفلسطينية، حتى إن البعض يصف بعض بلدان هذه المنطقة كأنها مخطوفة.. بلاد مخطوفة للإرادة الأمريكية أو مستلبة أو ما شاكل ذلك. نشرت (الليموند) منذ حوالي ستة أشهر مقالاً بعنوان: (كلنا أمريكيون) هذه هي فرنسا! صحيح حدث بعد ذلك نوع من المراجعة في الفترة الأخيرة، لكن الموقف الأوروبي في فترة ما بعد أحداث سبتمبر تقارب بدرجة لم يعرفها تاريخ الحضارات الأوروبية الأمريكية خصوصاً إزاء قضايا المنطقة؛ فهناك درجة عالية جداً من الخضوع للمنطق الأمريكي. وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم خضوع السياسة البريطانية. السياسة البريطانية حتى الساسة البريطانيون يصفون (بلير) بأنه «ذيل الكلب» بنفس التعبير. الملمح الثاني: هو ازدياد دور أجهزة الأمن والمخابرات. ترصد مثلاً حجم مبيعات آلات التخابر البسيطة والتي تباع في شوارع لندن، نجد أنها تضاعفت حوالي 21 أو 31 مرة.. الميزانيات الضخمة التي تُخصص لأجهزة الاستخبارات والأمن على المستوى العالمي حتى إن القضايا السياسية أصبحت تناقش داخل أروقة المخابرات. مثلاً: كان القرار السياسي الخاص بالمنطقة العربية من قبل يصنع في الكونجرس أو في مؤسسة الرئاسة، ثم انتقلت لوزارة الخارجية الأمريكية في فترة من الفترات، ثم انتقلت من وزارة الخارجية إلى المخابرات الأمريكية، ولذلك من الذي يناقش الآن قضايا السياسة الأمريكية في المنطقة، ومن الذي يرسل سواء هنا أو هناك؟ فهذا يعكس تنامي الدور الأمني بالمعنى المباشر على حساب الدور السياسي الأمني المؤسسي. - د. مصطفى: أضف إلى ذلك أن هناك اختراقاً بشكل أو آخر لدور مخابرات الأمن الأمريكي في المنطقة العربية. - د. حامد: ليس اختراقاً. أنا أتصور أن هناك تنسيقاً من فترة طويلة.. التنسيق هذا في المرحلة الحالية وصل إلى درجة العلاقة العضوية. تراجعت السياسة لصالح الأمن؛ وهذه تداعياتها خطيرة لماذا؛ لأن الأمن بحكم العقلية الأمنية، والعقل الأمني غير العقل السياسي. العقل السياسي يمكن أن يُشغل بمنطق الحق والحقوق والعدل وكذا وكذا... لكن العقل الأمني وقتي وآني ويهمه توازن القوى الموجودة على الأرض والمصلحة المباشرة. الملمح الثالث: هو ارتفاع حدة وموجة العداء الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت تمثل نموذج العالم الحر ونموذج القيم الديمقراطية. طرح بعد أحداث سبتمبر سؤال محوري: لماذا يكرهوننا؟ أدركت أمريكا أن الشعوب العربية والإسلامية على خلاف الأنظمة. هناك موجة عالية من الكراهية للنموذج الأمريكي لأمريكا؛ حتى إن حزب أمريكا أو مناصري أمريكا بدؤوا يتخفون. الذي حدث في هذه النقطة تحديداً نوع من الالتحام بين ما يمكن أن أسميه قوى الرأي العام العربي والإسلامي مع قوى أخرى في الغرب وفي غير الغرب لها مواقف مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية. مثلاً بقايا الاشتراكيين واليساريين، مناهضو العولمة، أضرب مثلاً: المظاهرة المليونية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية ما هي القوى التي كانت تشارك فيها؟ لا يمثل العرب والمسلمون فيها أكثر من خمس أو سدس المشاركين والباقي قوى أحزاب يربطها عداء الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه هي القوى الفاعلة في الساحة الأوروبية. حتى أنا رأيت المظاهرات الموجودة في لندن، ورأيت المظاهرات الموجودة في برلين: تشهد كلها بارتفاع موجة عداء عالمي للسياسة الأمريكية. ما حدث في دربن مثلاً في جنوب أفريقيا. إذن أيضاً أحد الصفات الأساسية التي يمكن ألا تواري خضوع الحكومات والأنظمة السياسية الأمريكية أن هناك رفضاً شعبياً حقيقياً متعدد الجذور ومتعدد المشارب للسياسة الأمريكية، وهو تنامٍ ليس وقتياً ولكنه مستمر. الملمح الرابع: أتصور أن السياسة الأمريكية سوف تقوم على نشر الصراعات المنخفضة الحدة Limited warsبمعنى أنها سوف تفجر نقاط التوتر في العالم التي كانوا يسمونها في الستينيات (حروب الوكالة). وأنا أتصور أن هذه سمة بدأت في أفغانستان، وتسير في فلسطين، وسوف تستمر في الفترة القادمة. لا أتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتورط في حرب كبيرة أو مفتوحة؛ لكن سوف تلجأ للحروب منخفضة الحدة أو صراعات منخفضة الحدة وحروب الوكالة. وذلك له أسباب كثيرة منها أن الولايات المتحدة الأمريكية لها خبرة في الصراعات الكبرى والصراعات متوسطة الحدة، وليس لديها خبرة في الصراعات منخفضة الحدة. - د. مصطفى: أنا بالطبع هنا بين أمرين: الأمر الأول: أن هذه الحروب سوف تنفجر وهي تحاول أن تضعها في حيز الحروب المحدودة، هل لأن هذا جزء من الاستراتيجية الأمريكية؟ أتصور ذلك. منها إذكاء هذه الصراعات لكي يحدث نوع من الاستهلاك الذاتي للقوة الإقليمية. شيء آخر: الذي هو تجريب صناعة السلاح، بالإضافة إلى الحرص على عدم إقحام المواطن الأمريكي نفسه والتضحية به فيما لا فائدة بالنسبة له، وحرب الخليج الأولى هي نوع من أنواع حروب الوكالة. - د. حامد: الملمح قبل الأخير الذي أتصوره: أننا في طور تصفية القضية الفلسطينية، مسألة التسوية السياسية أن هناك إرادة أمريكية تتوافق مع الإرادة الإسرائيلية على تصفية القضية الفلسطينية، أتصور أن المنطقة العربية الآن في أضعف مراحلها، والإرادة العربية لديها استعداد أن تقبل أي شيء؛ فأتصور أن أمريكا وإسرائيل الآن كل ما في الأمر أنهم يعصرون هذه الإرادة وتلك القيادات حتى تقبل بأدنى سقف ممكن وهي مهيأة، وأرجو أن أكون مخطئاً في أن هذا الظرف هو ظرف مواتٍ جداً لهم. العقبة الأساسية والعقبة الحقيقية هي الانتفاضة؛ منذ فترة نشرت جريدة (الجارديان) مخططاً للتوازن بين إسرائيل والفلسطينيين من حيث القوى؛ فوضع أوجه المقارنة من حيث الأسلحة: إسرائيل رقم مثلاً 032 والفلسطينيون صفر.. والقوات: إسرائيل رقم كذا والفلسطينيون صفر.. والقنابل النووية كذا والفلسطينيون صفر.. وفي تلك المقارنة وضع حوالي 61 نقطة؛ فكل ما يخص الفلسطينيين صفر. ثم وضع الاستشهاديين في المقارنة، فوضع إسرائيل صفر ووضع أمام الفلسطينيين ما يسمى عدد لا نهائي، وعلق المحلل أن هذا هو عنصر التوازن. ولهذا فالشيء الأساسي الذي يعوق على المستوى الاستراتيجي من تصفية القضية الفلسطينية هو هذا العنصر الوحيد ليس بمعنى فعله، ولكن حتى وجود إرادة لكي يظل أحد عناصر المعادلة في المنطقة كعنصر أساسي ومستمر. ولذلك سوف تجد في الفترة القادمة وبما يظهر تكالباً شديداً على أنه يُحجب، يشوه، يصفى، يلوث سواء على المستوى الرسمي أو الديني، ويحصل تبديل للمفهوم. - د. مصطفى: مسألة الاستشهاد لم تعد قاصرة على فلسطين؛ المسألة هنا أن النوع في الاستشهاد كثر، المسألة الثانية أن المنطقة في الاستشهاد تعددت، وايضاً حركة ووجهة الاستشهاد أيضاً قد تغيرت مثلما تذكر حضرتك لا تكون الأرض المحتلة فقط هي مجال حركة الاستشهاد، بل ربما تنتقل المسألة من كونها مجرد حركة استشهاد نحو أهداف إسرائيلية سواء مدنية أو عسكرية إلى أهداف أمريكية وبريطانية، بل قد تتجاوز ذلك إلى أكثر. هذا السلاح لا يستطيع أن يواجهه سلاح نووي ولا تقليدي. - أ. طلعت: لعل الدكتور حامد يقصد بتصفية القضية الفلسطينية محاولة الحلف الصهيوني تصفية القضية، وليس تصفية القضية. - د. حامد: نعم! - أ. طلعت: ولكن أرى حتى تتزن الصورة ينبغي أن يقال إن المنطقة ليست في أضعف حالاتها، وإن القضية الفلسطينية في أقوى حالاتها رغم ما تتعرض له من مؤامرات ومحاولاات لسحقها، ولتأذن لي أن أخالفك الرأي بأن الصهاينة (والحلف) ليسوا هم الذين يعصروننا، واختلافي هو أنني أرى أن المشروع الصهيوني هو الذي يتعرض الآن لأخطر درجات التهديد التي لم تحدث له منذ عام 8491م وحتى الآن، وأنه هو المعرض للتصفية والتفكيك أو لهزيمة استراتيجية (قد لا تكون شاملة في هذه المرحلة)، وأنه يعاني من تراجعات خطيرة، تصاعدت وتيرتها في المرحلة الراهنة، وهذا هو دافع من دوافع التحرك الهستيري الجنوني، للتحالف الصهيوني الأمريكي باستخدام الحرب المباشرة والمكثفة، ولدخول الولايات المتحدة بشكل سافر ومباشر في الصراع، بما يمثل تغييراً في استراتيجيتها السابقة في التحرك كوسيط للسلام، بل أصل لاحتمالات إشعال حرب في المنطقة باتجاه سوريا لإعادة تعديل التوازنات في المنطقة. فالمرحلة الأخيرة في الصراع شهدت انكسارات هامة للاستراتيجية الصهيونية، ولنظريات الأمن والقتال؛ حيث يجري القتال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 7691م، وداخل الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة عام 8491م وتحت تهديد بقصف لشمال فلسطين المحتلة عام 8491م من قبل قوات حزب الله، وهو ما وجه ضربة لنظريات نقل المعارك خارج الأراضي المحتلة، وكما ذكرت فإن الوضع الراهن، حمل ملامح لتوازن الرعب بين العرب والكيان الصهيوني، بقدر معقول، وتجربة الجنوب اللبناني ماثلة، بل إن الصراع الذي يجري الآن على الأراضي الفلسطينية، كلها، هو تطور استراتيجي ولا شك يحدث للمرة الأولى منذ عام 8491م، وباستعراض مسيرة الصراع منذ حرب أكتوبر، ومروراً بالاندحار الصهيوني من جنوب لبنان ووصولاً للقتال على الأرض الفلسطينية، فإن الصورة الاستراتيجية البالغة التعقيد والتركيب، تشير في النهاية إلى أن المشروع الصهيوني يتراجع ولا يتقدم في الصراع؛ حيث وصل الكيان الصهيوني إلى ذورة مشروعه في عام 7691م، ومن وقتها وحتى الآن ـ وعبر طريق متعرج ـ فإنه في منحنى هابط. كما أنه وبعيداً عن لعبة الديبلوماسية والتعرجات الحادة في الصراع والشدة البالغة القسوة فيما جرى ويجري، فإن مجرد طرح فكرة قيام دولة فلسطينية تحت ضربات المقاومة وفي ظل استمرار وتصاعد الإرادة الفلسطينية على التحرير، فإنه يمثل انتصاراً «من حيث المبدأ». وإن مقاومة هذا الطرح الصهيوني والأمريكي بأوسلو ومدريد وغزة وأريحا يظهر مدى التراجع الصهيوني، وإذا كان هذا الطرح بطبيعة الحال لا يمثل أهداف الأمة وثوابتها، فإنه يمثل تراجعاً صهيونياً وأمريكياً، أيما كانت أهداف هذا التراجع. وهو أمر يتطلب تشديد الهجوم وتطويره. - د. حامد: لكن هذا لا ينفي التهاوي على المستوى العربي والضغوط التي تمارس أمريكياً وغربياً وبصورة يومية من أجل تخفيض الاستحقاقات العربية.. ولا أطيل، وأعود إلى الملمح الأخير الذي يمكن أن يكشف لنا عن كنه التصفية المأمولة غربياً والتي تدور حول الجذر الذي تنبع منه ثقافة الاستشهاد وهو الإسلام ومن يحمل فكرة الإسلام. فأنا أتصور حتى لو سموه إرهاباً، أو أي مسمى آخر فأتصور أن العدو الأساسي في الاستراتيجية الأمريكية وفي استراتيجية الأنظمة المتحالفة معها حتى المرحلة القادمة ينكشف عنه بدرجات متفاوتة أنه هو الفكرة الإسلامية. على سبيل المثال أتصور أن هذه السياسة سيكون لها ثلاثة محاور: - د. أحمد: أعتبر أن أحداث 11 سبتمبر في تقديري كشفت عن شيئين مهمين يجب أن نهتم بهما وهما: الشيء الأول: هو مدى قابلية الولايات المتحدة للاختراق؛ ورغم كل ما يقال إن قيل وسيقال عن تحذيرات أو غيرها إلا أن الولايات المتحدة اختُرِقت من داخلها في أحصن مواقعها، وووجهت بضربات عنيفة يمكن أن تكون لأول مرة في تاريخها، كما قال الدكتور حامد يمكن المرة الوحيدة التي تعرضت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر في ضرب (بير هاربر) في اليابان، وإنما قبل ذلك وحتى 11 سبتمبر ظل المواطن الأمريكي يشعر بأنه المواطن الآمن الوحيد على مستوى العالم. الشيء الثاني: خاص بكشف زيف التجربة الأمريكية في الديمقراطية وحقوق الإنسان. قضية حقوق الإنسان شعارات تُصدر للخارج، وإنما داخل الولايات المتحدة صحيح هم يتمتعون لا شك بقدر من حقوق الإنسان، وإنما بعد الأحداث سمعنا من فترة قريبة عن مسؤولين أمريكيين يتحدثون عن التصنت على كل شيء؛ المكالمات التلفونية، والحسابات الخاصة، وصناديق البريد الإلكتروني... يهمني أن أشير هنا إلى موقف الولايات المتحدة الحقيقي فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. الولايات المتحدة الأمريكية تستخدمها كإحدى الأدوات في إدارة سياستها الخارجية، وإنما سجل الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان هو سجل غير مشرف بالمرة؛ كيف؟ يكفي أن نستعرض موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. الولايات المتحدة الأمريكية إما رافضة للتوقيع أو التصديق والانضمام إلى تلك المواثيق، وإما ممتنعة تماماً عن اتخاذ موقف. وأذكر حضراتكم بالواقعة الأخيرة التي هي انسحاب الولايات المتحدة (سحب توقيعها) على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إذن علينا أن نبرز هذا، ولو قام أحد الباحثين بالتسجيل في هذا الموضوع فسيكشف عن حقائق مذهلة عن أن هذا الموضوع هو موضوع موجه للآخرين لكي يستخدم استخداماً سياسياً. - د. مصطفى: هذا وداخل الولايات المتحدة قضايا حقوق الإنسان حولها كلام كثير (التمييز في حقوق المرأة ـ التمييز بين الأجناس ـ قوانين الاشتباه الأخيرة وغير ذلك). - د. أحمد: وما تعرض له العرب والمسلمون أيضاً.. · موقع العرب من الاستراتيجية الأمريكية: البيان: أنتقل إلى نقطة أخرى لنعالج تساؤلاً يطرح نفسه عند الحديث عن تطورات ما بعد سبتمبر وتأثيرها على موقع المنطقة العربية من الاستراتيجية الأمريكية والدولية من حيث إنها منطقة مستهدفة، هل حدث تغير؟ - د. أحمد: نحن لنا موقع أساسي ومتميز في الاستراتيجية الأمريكية باعتبار الولايات المتحدة دولة كبرى وتحكمها ثوابت أساسية، وأيضاً لنا موقعنا الجغرافي المتميز هذا، وإلى أننا نملك مشروعاً حضارياً نحن الوحيدون يمكن على مستوى العالم الذين تتوافر لدينا إمكانات ترجمة هذا المشروع إلى واقع.. إمكانات اللغة، إمكانات الدين.. إمكانات التاريخ. نحن نتحدث الآن عن أوروبا (الاتحاد الأوربي) إحدى المشكلات أو إحدى العقبات التي يمكن أن تعترض قريباً مسيرة الاتحاد الأوروبي هي قضية اللغة وقضية الهوية، ورغم أنهم أحدثوا اليورو وصعود اليمين في أوروبا وهذا رد فعل لهذا. نحــن نقــول إننا الوحيـــدون على مسـتوى العالم الذيــن لا نستخدم الترجمة الفورية في مؤتمراتنا وفي اجتماعاتنا، نحن أقصد كعرب اللغة والدين والجغرافيا والموارد. أنا أتصور أن هذه الإمكانات لها جانبان: الجانب الإيجابي: أنها تسمح لنا بأن نقف على أقدامنا وأن ننشرها إذا ما خلصت النوايا وصح لدينا العزم، ولكن هناك جانب سلبي وهو أن تجعلنا دائماً مطمعاً للغير. هذا في تصوري فيما يتعلق بالموقع العربي في الاستراتيجيات. - د. مصطفى: خبرتنا في التعامل مع الغرب عموماً هي خبرة متعمقة؛ فنحن نعد من أكثر مناطق العالم إن لم يكن أكثرها احتكاكاً بالغرب بصورة أو أخرى؛ فالغرب يدرك تماماً أن في انكسارنا معه لنا مبادئ ولنا قوانين ولنا تجربة في هزيمتنا له، أيضاً لنا تجربة. فلنا مواقف ولنا مبادئ ولنا خبرة في المهادنات، في الصلح، في الاختراق، في الاحتلال. هذه خبرة كبيرة والغرب كما قلنا وهو تكلم عن الحروب الصليبية وفي ذهنه هذه الخبرة التاريخية؛ فهو يدرك تماماً أن هذه الخبرة التاريخية، هذه الخبرة اللغوية، هذه الخبرة في المصادر والإمكانات، هذه الخبرة الاستراتيجية. حينما تتضافر تكون المنطقة المقلقة التي لديها البترول وغيره ونمط القيادات الموجودة، ونمط الشعوب.. إلخ. فهو يدرك تماماً أن هذه المنطقة لا يمكن أن تُنسى بشكل أو آخر. ندرك أيضاً أن رأس الحربة إسرائيل.. هذه المنطقة شئنا أم أبينا موجودة. ما أريد أن أقوله إنه في هذه المنطقة يتكلم البعض في الاستراتيجية الأمريكية ما بعد سبتمبر أن هذه المنطقة هي في القلب من مسألة الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى، والكلام عن بترول بحر قزوين والكلام عن المحور الإسلامي الموجود في إيران والموجود في تركيا والموجود في أفغانستان و.. و.. إلخ مهم جداً جداً؛ لأن بحر قزوين فيه بترول ومدى تأثيره على الخليج العربي، وممكن أن يشكل قوة ضغط على منطقة الخليج العربي بل بعض المفكرين الأمريكيين يتكلمون عن استراتيجية بديل.. للبترول والنفط العربي. فهذه المنطقة شئنا أم أبينا سواء قبل أحداث سبتمبر أو بعد أحداث سبتمبر هي في القلب. تتغير بعض المتغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية لكن أنا أظن أنها من ثوابت ما تهتم به الولايات المتحدة في علاقتها الدولية، في سياستها الخارجية في النظام الدولي في أي من تطوراته وأي مرحلة به. - د. حامد: بالفعل المنطقة العربية والمنطقة الإسلامية عموماً منطقة جامدة استراتيجياً، ومنطقة في القلب؛ بحيث لا أتصور أن الاستراتيجية الأمريكية تقبل فيها نوعاً من المساومة.. لدينا مساحتان للصراع في إطار العربية مساحة فلسطين ومساحة منطقة الخليج.. هاتان الساحتان اللتان يمكن أن يكونا ساحات صدام مباشر.. ساحات فلسطين ومنطقة الخليج. ثم أيضاً في إطار منطقة الثبات الاستراتيجي أستطيع أن أتكلم وفي ظل أن إسرائيل حتى الآن تعتبر أنها ليس لها حدود. مفهوم الأمن الإسرائيلي يمتد حتى باكستان وهنا شبه محور أو شبه تحالف قائم حقيقة الآن بين ثلاثة: (إسرائيل، والهند، وتركيا) أتصور أن لدينا أربع دول تحديداً تهم الاستراتيجية الأمريكية، وتضع عينيها على: (مصر، العراق، إيران، الجزائر)، ثم باكستان تلك هي الدول الخمس التي هي ذات مكانة إقليمية. ما يهم الاستراتيجية الأمريكيـة ويهـم الاســتراتيجية الإســرائيلية أنــه لا يحدث فيها أي خلخلة، وعندها استعداد أن تتدخل بشكل مباشر إذا حدث في هذه الأقطار تحديداً ما يهدد الأوضاع ( البيان ) : فرضت أحداث سبتمبر عدداً من التحديات على المنطقة العربية؛ بينما سعرت من لظى مجموعة أخرى وضعت المنطقة على مفترق طرق.. كيف ستكون التحديات، وبماذا ستكون الاستجابات؟ * أ. طلعت: الحديث عن التحديات قد يمثل صورة من التحدي في حد ذاتها إذا ما شكلت عنصر خصم من الوعي بالتحدي الذي يعد وسطاً بين التغافل والانهزامية، وأعني ألا يصيب ذكر التحديات العصب المدرك في الجسد الإسلامي بحال من الارتباك أو الوهن، ولهذا أرجو ألا يتحول الحديث حول التحديات في حس القارئ إلى نوع أخطر من التحدي؛ لأن أكبر تحدٍّ هو التحدي النفسي الذي ينشأ عن استعظام المخاطر، أو الوقوف على أطلال الحركة دون أن نطور ردود أفعال تتناسب مع الأحداث إن لم تتفوق عليها. الولايات المتحدة أدركت ذلك جيداً بعد الحادث مباشرة ووسعت من دائرة الإرهاب النفسي الموجه نحو الشعوب العربية والإسلامية، وأخشى أن يوضع كلامنا في هذه القضية لنوع من العون للجهود الأمريكية في هذا الباب، ربما نجحت الولايات المتحدة في تحقيق بعض النجاحات على مستوى النخب؛ لكن بالنسبة للشعوب العربية فإن الأمر كان قد تحول إلى موجة كراهية عارمة وربما بوادر يقظة كان يمكن أن تستثمر لإحباط المخطط الأمريكي الصهيوني، وأخشى أن تتسرب مع الوقت. * د. حامد: قبل أن أتحدث عن التحديات أطرح ثلاث برقيات عاجلة في هذا الصدد: الأولى: لدينا نوع من التحديات التي يمكن القول إنها تشكل مباراة صفرية؛ بمعنى أنه هو تحدٍّ حالّ وضروري وأساسي.. أو هو تحدي وجود! وفي المقابل هناك نوع آخر من التحديات يمكن أن يقبل المساومة وأنصاف الحلول التي تمثل هامش مناورة وهامش تبدلات سياسية. الملاحظ أن مستوى التحديات من النوع الأول زادت معدلاته بعد أحداث سبتمبر. الثانية: أن التحدي يفترض أن نميز بين العدو الرئيسي في التحدي والعدو الثانوي؛ أقصد مصدر التحدي. الثالثة: أن التحدي لم يعد مقصوراً أو مقتصراً على النظم السياسية أو المجتمعات، وإنما أصبح التحدي يواجه بنفس الدرجة وربما أعمق قوى التغيير داخل المجتمعات العربية. ومن هنا سأذكر بعض التحديات التي يمكن تصنيفها وفقاً لهذه المحكات المنهجية الثلاثة: أنا أرى أن التحدي الأساسي الذي يواجه الدولة والمجتمع والحركات عموماً هو تحدي غياب الرؤية، وغياب المشروع والهوية؛ فكل الأنظمة تعاني من غياب الرؤية (ماذا تريد بالنسبة لشكل الدولة وصورة المجتمع وهوية الكيان... ما هو المجتمع الذي تريده؟). هناك أزمة قيادات سواء على مستوى الفكر والسياسية والتنظيم. هناك أزمة مؤسسات، هناك أزمة تنموية وإصلاحية بكل الأبعاد.. هناك حالة من الشلل والجمود السياسي المنتشر في الأقطار العربية؛ بحيث إن السياسة شاخت أو كما يعبر البعض: «أنظمة أصابها الكِبَرُ والكِبْرُ في نفس التوقيت». * د. أحمد: وفق تصوري لا يمكن الحديث عن التحديات الجديدة دون الأخذ في الاعتبار التحديات القائمة فعلاً والتي يمكن تصورها على ثلاثة مستويات للتحليل: المستوى الأول: تحديات نابعة من البيئة الداخلية لكل دولة عربية أو دولة إسلامية على حدة (أو تحديات على المستوى الوطني). المستوى الثاني: تحديات على المستوى العربي. المستوى الثالث: تحديات نابعة من البيئة الدولية العالمية. فعلى المستوى الأول: هناك التحدي الأكبر وهو مسألة الحريات، وقد ألقت الأحداث الأخيرة بظلال كئيبة عليه؛ فما لم يأمن الإنسان في بلادنا العربية على حريته وعلى أمنه وعلى يومه وعلى غده، فهل يتوقع منه خير؟ أيضاً قضية بعض الدول العربية التي تُواجه بتهديدات تكاد تهدد وجود الدولة ذاتها. مثلاً: حالة الدولة في الصومال، حالة الدولة في السودان مع اختلاف الدرجة، حالة الدولة في العراق، العراق يكاد يكون الآن دولة لا تملك السيطرة على فضائها؛ فهذا التهديد لوجود الدولة في ذاتها واستمراريتها كدولة أنا أتصور أن هذا تهديد من نوع جديد لم نواجهه من قبل. والقضية الأخرى هي قضية تفسخ التكامل الوطني داخل الدولة واستثمار ورقة الأقليات، هذه القضية بدأت تمس وجود الدولة؛ وهذا ممكن أن نلمسه بشكل أوضح في حالة السودان، ممكن أن نلمسه أيضاً في حالة العراق، ممكن أن نلمسه في حالة الجزائر. هذا التحدي تعاظم بشدة بعد الأحداث الأمريكية. هناك سياسات اقتصادية وتعليمية وثقافية أصبحت تنفذ وفق إملاءات ووفق برامج محددة، وهذا يلفت الأنظار إلى فشل مشروعات التنمية في بلادنا العربية في النهوض، وارتباطها بالاقتصاديات الدولية، وهو ما أدى إلى أزمات سيولة وبطالة خانقة. بالنسبة للتعليم أصبحنا نرى اليوم نشراً للنموذج الأمريكي في التعليم في مقابل إضعاف التعليم الوطني وتسطيح مستواه، وهذا يلقي بظلاله على مسألة الهوية بأبعادها الدينية والثقافية والاجتماعية؛ بل حتى في التعليم الوطني أصبحنا نرى توسعاً في التعليم باللغة الإنجليزية في مقابل خنق اللغة العربية. أما على المستوى العربي فحالة التشرذم هي في ذاتها تحدٍّ، وضعف المؤسسات الإقليمية وقصورها في تقليل النزاعات العربية والسعي نحو التكامل رغم توافرالإمكانات والدواعي وطول الخبرة هو تحدٍّ آخر، والمشاريع الوافدة هو تحدّ جديد قديم، نعم هذه التحديات ليست ناشئة تبعا لأحداث سبتمبر! لكن لا ينبغي نسيانها؛ لأنها تولد تحديات جديدة مع تطور الأحداث، كما أنها تفرض قيوداً على الاستجابات من جهة ثانية. أما على مستوى البيئة العالمية: فإن اليمين الأمريكي في ظل أحداث سبتمبر، وعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية قد وجد الظرف المناسب لتحقيق خيار الهيمنة الأمريكي ـ على حساب الخيارين الآخرين وهو خيار المشاركة القطبية في قيادة العالم، والانكفـاء على الداخـل ـ تحت مسمى جديد هو حرب الإرهاب في ظل صمت عالمي أو موافقة. واستثمر هذا الوضع لصالح فكر الهيمنة الذي بدوره يفرض قيوداً وتحديات ومطالب على المنطقة لصالح الطرف الأمريكي وحلفائه الدائمين، وأصبحت الولايات المتحدة كما يعبر البعض: «لقد اختُزلت الأمم المتحدة في مجلس الأمن.. واختزل مجلس الأمن في الولايات المتحدة». ولا شك فإن التحركات الأمريكية على المستوى العالمي وحالات التقارب الروسي الأمريكي، واكتمال أركان الحلف الإسرائيلي ـ الهندي ـ التركي تحت المظلة الأمريكية، والسعي نحو آسيا الوسطى لتهميش دور المنطقة العربية اقتصادياً على المستوى العالمي؛ كل ذلك يلقي بتحديات جديدة. * د. مصطفى: في الحقيقة يمكن قراءة خريطة التحديات بأكثر من طريقة والنظر إليها من أكثر من زاوية، وقد ركز الدكتور أحمد على الوجهة في التحديات على أنها داخلية أو إقليمية أو دولية، أما أنا فسأركز قليلاً على الموضوع، وقد رصدت من تلك التحديات عشر تحديات أساسية، والخطورة ليس في عرض تلك التحديات، ولكن الخطورة في بعض المدركات المرتبطة بهذه التحديات. وأركز في هذه التحديات على ما استجد بعد سبتمبر: لدينا أولاً: التحدي الديني: ويرتبط هذا النوع بالفهم المغلوط للإسلام وربط الإسلام بالإرهاب، ورسم إطار أمريكي لدورالمؤسسة الدينية، أيضاً في مسألة التعليم الديني وتفريغه من مضمونه الأساسي. التحدي الديني في التضييق على المؤسسات الدينية كدور تحفيظ القرآن، والمعاهد الدينية كما حدث في باكستان مؤخراً وحدث من قبل في مصر واليمن. هذه التجربة ستعمق وتعمم على مستوى دول المنطقة والعالم الإسلامي. التحدي الثاني: التحدي الأمني: يتمثل في عدد من المقررات الأمريكية على مستوى التعاون الأمني على مستوى العالم بالإضافة إلى تجاوز كل حدود الخصوصية السياسية والأعراف الدولية والإقليمية الخاصة بممارسة كل دولة السيادة على أراضيها، فقد أصبحنا كل يوم نسمع عن جديد في هذا الأمر: إثارة قلاقل في دول قد تصل إلى حد التفتيت أو التقسيم، بالإضافة إلى الملاحقات الأمنية للعرب والمسلمين على مستوى العالم، وكأنه قد أصبح مقرراً الآن أن الإسلام هو الوجه الآخر للإرهاب. * أ. طلعت: تصريحات الساسة الأمريكيين في الفترة الأخيرة كلها تتواطأ بالفعل على هذا المعنى بدءاً من بوش إلى تشيني ورامسفيلد ورايس وغيرهم. * د. مصطفى: أضف إلى ذلك ثورة قوانين الاشتباه والهجرة التي تمت على مستوى العالم الغربي، وسلسلة الإجراءات الموسعة التي اتخذت بالفعل في هذا الباب. التحدي الثالث: التحدي السياسي: الدكتور أحمد أشار إلى مسألة الحريات، وتوسع منطق الأقليات في المنطقة العربية والتخريب في الهوية. القرار السياسي العربي على المستوى القطري وعلى المستوى الإقليمي أصيب بنوع من الترهل، ولم يعد يملك زماماً للمبادرة بحيث إنه أصبح محاصراً بالاتهامات، وعليه أن يدافع، وقد رأينا حالة الإخفاق العربي على مستوى القضية الفلسطينية. التحدي الرابع: التحدي النفسي: وأقصد به تحدي التعامل النفسي في المنطقة العربية، وهذا التحدي النفسي لا يقابل بحرب نفسية فقط، ولكن هناك حرب نفسية، وهناك دعاية، وهناك تسميم سياسي، وهناك كل الكلام الذي تكلم عنه الدكتور حامد ربيع رحمه الله. التحدي الخامس: التحدي الإعلامي: وبراعة الإعلام الغربي في تسويق الأخبار وإقناع الرأي العام بما يريد الساسةالغربيون، والتأثير على المستوى العالمي، بينما إعلامنا نحن الآن في مناطق فراغ، وقد رأينا على سبيل المثال كيف صورتCNN وغيرها من الفضائيات أحداث سبتمبر وكأن العالم كله انجرح، والعالم كله ضرب وتصوير حالة الضرب والمآسي التي حدثت، وفي نفس الوقت الذي تحدث فيه إسرائيل أكثر من ذلك، ولكنهم عندهم آلة إعلامية، وهذه الآلة الإعلامية تعمي على ما قامت به إسرائيل، في الوقت الذي نملك فيه عشرات القنوات الفضائية على المستوى العربي، ولا نملك استراتيحية إعلامية موجهة لا نحو الداخل ولا نحو الخارج لتقول لهم ما هو الإسلام. كيف تخاطب مثقفين؟ كيف تخاطب دوائر المعلومات؟ كيف تخاطب صُناع السياسات؟ كيف تخاطب الناس هناك في الغرب؟ التحدي السادس: التحدي الاجتماعي: والتحدي الاجتماعي له أكثر من وجه: المسلمون المسجونون لدى الولايات المتحدة، المضارون من الحروب الأمريكية، آثار السياسات الأمنية والتعليمية والتشريعية.. مسألة الثقافة، مسألة القيم الجديدة التي يحاولون أن يغزوا بها المنطقة وما يمكن أن ينجم عنها على المستوى الاجتماعي. يمكن أن نلمح من وراء ذلك كله آثاراً خطيرة على المستوى الاجتماعي في العالم العربي. التحدي السابع: التحدي المؤسسي: فالمنطقة العربية تفتقر إلى العمل المؤسسي المنظم سواء على مستوى العمل المشترك على المستوى القومي أو على المستوى القطري ببعديه الأهلي والرسمي، المؤسسات الموجودة لا تفي بالاستجابات المطلوبة والتحديات تفرض علينا عملاً مؤسسياً مكثفاً ومتخصصاً ليواكب التحديات المفروضة، والاستجابات على هذا النحو ضعيفة للغاية، بل يجري تكبيل مثل هذه المؤسسات على المستوى المدني عبر سن القوانين التي تحد من حركتها وتجعلها تدور في إطار ضيق لا يتناسب مع حجم الأحداث، في حين أنه تتاح الفرصة لكل مؤسسات المجتمع المدني الأمريكي أن تتكلم وتتفاعل مع واقعها وقضاياها. التحدي الثامن: التحدي التعليمي: أظن أننا كلنا متفقون على أن المطلوب الآن هو نظام تعليمي مستأنس يُخرج مواطناً صالحاً بالمفهوم الأمريكي. والتحدي التعليمي ليس بتفريغه من مضمونه الديني فقط، وإنما بمنهجية حشو الرأس؛ بحيث يتخرج من التعليم تسيطر عليه ثقافة السطحية.. ثقافة الهشاشة الموجودة في عالمنا.. ثقافة الفيديو كليب. التحدي التاسع: التحدي الاقتصادي: والأرقام عن التداعيات الاقتصادية التي أصابت العالم العربي من جراء أحداث سبتمبر مهولة تكشف عن الخسائر في معدلات النمو.. الخسائر في الصادرات، الخسائر في الاستثمارات، الخسائر في حجم السياحة وفي حجم البطالة، في العملات الوطنية، في الدولار.. في أشياء كثيرة جداً. التحدي العاشر: التحدي التقني: والمشكلة ذات اتجاهين: الأول أن الولايات المتحدة ويتبعها الغرب بدأت بفرض سياج من الحظر حول التقنيات الحديثة التي تنقل إلى العالم الإسلامي والعربي؛ بحيث خفضت سقف المسموح به للتصدير بالذات إلى العالم العربي والإسلامي مما يزيد من الهوة، ومن جهة ثانية فإن التحديات تملي استنفاراً على المستوى التقني؛ لأن المواجهة عبر التقنيات الحديثة زادت من تعقيد الأمور، وهو ما يصعب تحقيقه فعلاً. * أ. طلعت: لا شك أن المسألة التقنية بالغة الخطورة وبالذات على مستوى قدرات الدول، ولكن تجربة الحركات الجهادية تجربة مبهرة ترينا كيف يتغلب العامل العقيدي على الجانب التقني، وهذا يعيد لإنسان العقيدة اعتباره من جديد في المواجهة، بالإضافة إلى محاولات الاستفادة من الخبرات المتاحة عربياً؛ وهو ما أحدث قفزات نوعية في قدرات الانتفاضة على الاستمرار والمواجهة. * د. مصطفى: يقال الآن إن ضعف الإمكانيات التقنية يحد من قيام بعض الدول القائدة بدورها القيادي، بل إن أثر الناحية الاقتصادية أو الناحية السياسية يهون بجوار الجانب التقني. * أ. طلعت: أود أن أشير إلى بعض التحديات: الأمر الأول: نظراً لأن المشروع الصهيوني في المنطقة في أخطر أزماته؛ فإن نقطة التوازن في المنطقة أصبحت في صالح العرب بفضل الانتفاضة، وهذا ما يقلق الولايات المتحدة، ومن ثم يتوقع الخبراء بأن تتبنى الولايات المتحدة ضربة عسكرية تعيد للكيان الصهيوني زمام المبادرة وتحقق له الردع من جديد، والمرشح الأول لمثل هذه الضربة سوريا من أجل إيقاف الدول العربية عن دعم فصائل المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة. الأمر الثاني: أن الولايات المتحدة نشطت على المستوى الفكري والثقافي والسياسي في تبني شخصيات واتجاهات داخل الدول العربية من أجل إيجاد عناصر ضغط وتسميم سياسي، وتمدهم بالمال والدعم المعنوي والخبرات، وقد بدأت بالفعل في تبني بعض فصائل اليسار سراً ومنهم التروتسكيون على وجه التحديد، وقد بدؤوا بالفعل تنظيم صفوفهم من أجل العمل داخل الدول العربية بدعم مطلق من أجهزة أمريكية وتمويل مفتوح لملء الفراغ الذي يتركه التضييق على القوى الإسلامية والوطنية لصالح الرؤى الأمريكية. الأمر الثالث: وهو تحدّ يكشف لنا عن منطق التراجعات العربية المستمرة، وهو في منطق التعامل مع التحديات على المستوى العربي، وقد كشفت أحداث سبتمبر إلى حد كبير أن التعامل العربي مع كثير من التحديات الاستراتيجية يتم بمنطق التكتيك، وهو منطق لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج مرغوبة أو محمودة. الأمــر الرابــع: أن التساهل الأمريكي مع روسيا في قضية الانضمام لحلف الأطلنطي، وتوقيع الاتفاقيات الأخيرة حول خفض التسليح وغض الطرف عن جرائمها في الشيشان، وكذلك التودد إلى الصين (الاستجابة لاعتراضها بشأن القصف النووي في أفغانستان غض الطرف عن قضايا حقوق الإنسان داخلها...إلخ)، ومحاولة تسوية النقاط الملتهبة مع أوروبا (قضايا الجمارك على الصلب ـ قضايا صناعة الطيران... إلخ) وتوسيع وتيرة التحالف مع الهند وغيرها وغيرها إلى كافة أنحاء العالم، كلها مؤشرات على تبديل الأولويات الاستراتيجية، باتجاه عدو يحتل أولوية عاجلة على الأقل، ألا وهو العرب والمسلمون، والملاحظة الأهم على هذه الاستراتيجية هو أنها تتبنى خيار الصراع المباشر والشامل مع الدول العربية والإسلامية دفعة واحدة (لا يتعارض ذلك مع اختلاف الدرجات) باستخدام القوة العسكرية أو التهديد بها، وهذا يعني أن التحدي هذه المرة شامل وضاغط على العرب جميعاً ودفعة واحدة. ( البيان ) : من خلال تجليات الأحداث بدا واضحاً أن التحديات ـ بالأصالة أو الوكالة ـ كلها تصب في حصار الحركات الإسلامية باعتبارها العنصر الأهم في المنطقة في مقاومة الهيمنة الأمريكية الصهيونية؛ فكيف يمكن قراءة التحديات التي تواجه العمل الإسلامي بأشكاله المختلفة داخل المنطقة؟ * د. حامد: في الواقع الحركة الإسلامية تأتي على رأس قوى التغيير الحقيقية في المنطقة باعتبارها المؤهلة حقيقة لمجابهة المخاطر التي تواجه المنطقة. بالفعل هناك تحديات موجهة إلى الظاهرة الإسلامية سواء في بُعدها الشعبي (التدين الشعبي) أو في بُعدها المؤسسي (المؤسسات التي تعمل للإسلام) أو في بُعدها الحركي (الحركات والجماعات الإسلامية) هذه التحديات يمكن ترتيبها في ثلاثة مستويات: مستوى تحديات نابعة من السياق العالمي وأبرزها أربعة تحديات: 1 ـ التحدي على مستوى الخضوع للهيمنة الأمريكية والغربية: بحيث أضحى واضحاً وماثلاً للعيان أن القرار الاستراتيجي العربي والإسلامي عامة تحدده الولايات المتحدة الأمريكية، أو يتم في إطار ضغوطها في معظم القضايا المصيرية والقضايا الأساسية؛ وقضية الصراع مع الكيان الصهيوني مثال بارز.. المبادرات الأخيرة تؤكد ذلك ولو جزئياً، وملف الظاهرة الإسلامية واستراتيجية التعامل معها يعد أحد هذه الملفات الأساسية المدرجة في علاقة الظاهرة الإسلامية في المنطقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبرها إجمالاً من أقوى التهديدات للهيمنة والمصالح الأمريكية في المنطقة خاصة بعد أحداث سبتمبر. 2 ـ التحدي على مستوى عملية التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني: والذي يمتلك رؤية واستراتيجية ثابتة للتعامل مع قضايا منطقة الخليج العربي، وهو يدرك على نحو واضح أن عدوه الحقيقي هو الظاهرة الإسلامية ذات الامتداد الشعبي ـ والإدراك القيادي الصهيوني الذي يعكسه في أنصع صوره شارون في الوقت الحالي يعتبر الظاهرة التي توصف بالإرهابية هي العدو المشترك لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الحاكمة في المنطقة، والمثال الواضح الموقف من حركات المقاومة مثل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله. 3 ـ التحدي على المستوى السياسي الداخلي؛ أي موقف الأنظمة السياسية الحاكمة من الظاهرة الإسلامية: كانت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة إلى ما قبل أحداث سبتمبر وبتفاوت بينها في (الدرجة) تعتبر الظاهرة الإسلامية خطراً أمنياً، ولكن بعدها وفي إطار الاستراتيجية والضغوط الأمريكية يمكن القول إنها ارتفعت بها لتصبح في الوقت الحالي وإلى المدى المنظور مستقبلياً هي النقيض الأساسي و «العدو الرئيسي» حالياً؛ ولذلك فإن وجودها الاجتماعي والسياسي يدور حول «السماح الفعلي المحسوب».. 4 ـ التحدي الفكري والمعلوماتي النابع من الإطار الدولي (ازدياد الدور الأمني والمخابراتي والعسكري للأمن الغربي الأمريكي): يعتبر التنميط والأمركة أحد مظاهر العولمة وجوانبها والنقيض لفكرة الأمة والعالمية ولو في أحد أهم مستوياتها وهي أحد مرتكزات ممارسات الظاهرة الإسلامية، ومن آثارها إضافة إلى عملية التنميط تذويب الهوية الوطنية والقومية وفي نفس الوقت إبراز منطق الأقليات العرقية والدينية وهو ما يمثل تحدياً من نوع آخر للظاهرة الإسلامية في المنطقة العربية عموماً وفي منطقة الخليج على نحو خاص وهو ما يتطلب نوعاً محدداً من الاستجابة.. كما أن الثورة الاتصالية تفرض تحدياً من نوع آخر يتعلق بمدى إمكانية استفادة الظاهرة الإسلامية من الثورة المعلوماتية، والتي تفرض تحدياً من نوع آخر يتعلق بـ «نوعية المعلومة» وإمكانية السيطرة عليها أو احتكارها، وكذلك مضمون المعلومة ذاته ومن يحدده ويمتلكه.. إلخ. أما المستوى الثاني فعبارة عن التحديات النابعة من السياق المجتمعي الذي تعمل فيه الظاهرة الإسلامية، ويمكن تقسيمها لأربعة كما يلي: 1 ـ حقيقة مدى انتشار وشعبية الظاهرة الإسلامية وتراجعها: إذ لم يثبت حتى الآن بشكل علمي أن قطاعات واسعة من الرأي العام رغم تدينه التقليدي ومحافظته في المنطقة العربية عموماً وفي منطقة الخليج العربي كنموذج قد وصلت إلى قناعة فعلية باعتبار الظاهرة الإسلامية وما تقدمه هو البديل المطلوب للاستجابة لاحتياجاتها، أو هو الممكن للإصلاح والتغيير، والمؤشرات المتوفرة بهذا الصدد ـ من خلال العمليات الانتخابية ـ حتى الآن تدل على أن الحركة تحوز في أحسن الأحوال من 02% ـ 52% في الكويت مثلاً من تعاطف قطاعات الأمة، وعلى أية حال فإنه لا يمكن أن يتم إصلاح أو تغيير على أساس الاهتمام والتعاطف فقط، كما أن المراهنة على مواقف ثابتة للرأي العام أو خصائص دائمة أمر تعوزه الأدلة العلمية، الوضع بالنسبة لشعبية الظاهرة الإسلامية هناك لم توضع على المحك؛ لأنه لم تجر انتخابات، وليست هناك معاهد أو مراكز لقياس الرأي العام ومعرفة توجهاته الأساسية بالنسبة للحركة الإسلامية في المنطقة. 2 ـ نخبوية الظاهرة الإسلامية وتآكلها: تعد الظاهرة الإسلامية قوة منظمة في مجتمعاتها إلا أنها بـ «مقاييس الكم والوضع» ما تزال نخبة محدودة مركزة في طبقات اجتماعية وفئات اجتماعية، وأوساط ثقافية محددة، وهذه ذات سمات معينة من حيث خصائصها وقدرتها على التغيير، وأيضاً من حيث الإمكانات والفعالية، وقطاعات واسعة من هذه النخبة مستوعبة وموظفة فعلياً لصالح مشاريع أخرى قد تكون منافسة أو مناقضة للظاهرة الإسلامية، وكل ذلك ينبني عليه أنها بإجمال تعاني من ضعف حقيقي لا يمكنها من الاستجابة المطلوبة. 3 ـ تغلغل الظاهرة الإسلامية ـ وإن لم يكن بقدر كاف ـ في مؤسسات الأمة الطبيعية كالمساجد والأوقاف، والجامعات الدينية التقليدية الممثلة لرمزية الفكرة الإسلامية مثلاً، والتي ترتبط بها جماهير الأمة تلقائياً، وإن كانت قد قدمت للأمة مشاريع تتواصل مع أبنيتها الأصيلة والطبيعية لم تزل تحتاج إلى مزيد من الجهود. أما وجود الظاهرة في القطاعات المحدّثة، والأبنية التحديثية من مؤسسات الدولة الحديثة فهي ما زالت ضعيفة إلى حد ما. 4 ـ عدم قيام الظاهرة الإسلامية بالدور الريادي أو القائد في المجتمع: قدمت الظاهرة الإسلامية نفسها في المنطقة العربية باعتبارها قيادة للإصلاح وللتغيير في مجتمعاتها وفق شعارات عامة فضفاضة، وكانت هناك درجات من القناعة بذلك في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، وقد بدأت الظاهرة تتبلور في العقدين الأخيرين التي جربت فيها الظاهرة الإسلامية ولو جزئياً عبر درجات مختلفة من المشاركة أو المغالبة لم تنجح الحركة فيها في تقديم نماذج واقعية حقيقية للإصلاح وللتغيير المأمول منها، ولكن الظاهرة السياسية في منطقة الخليج العربي قدمت جزئياً نماذج لنجاحات فعلية. تلكم التحديات ماثلة أمامنا جاءت أحداث سبتمبر لترسخ وتعمق للتحدي وفق السياقين العالمي والمحلي. أما المستوى الثالث: فهو التحديات النابعة من داخل الظاهرة الإسلامية، ويمكن إجمالها في سبعة محاور أساسية تعبر عن تأمل ومتابعة لأحوال هذه الظاهرة وهي: 1 ـ غياب «الرؤية» وعدم تكامل المشروع الإصلاحي: أو عدم بلورة الحالة الإسلامية لمشروعها التغييري وصياغته صياغة (تناسب العصر) تقبل التنفيذ سواء كان المشروع السياسي أو حتى المشروع التربوي.. أو كل مشاريعها الحقيقية. وهذه ملاحظة في الصميم لم تقدم حركة إسلامية حتى الوقت الراهن مشروعاً إصلاحياً قابلاً للتطبيق. هناك جهود ولا أنكر ذلك؛ لكن لم ينجز مشروع حتى الآن ولم يقدر لأي حركة أن تجدد أو تقدم مشروعاً. وحتى يوضع كلامي في محله الصحيح أفرق بين أمرين: أولهما: الفعل الإصلاحي من ناحية، والرؤية الحاكمة له والمحددة لمساراته والمنظمة لاتجاهاته من ناحية أخرى؛ فلا يمكن أن ينكر محلل جاد أن هناك بدرجة من الدرجات أفعالاً حضارية وإصلاحية تقوم بها الظاهرة الإسلامية؛ ولكن الإشكالية أنها لا تنبع من رؤية محددة، ومن ثم فلا تصب في النهاية في خدمة أهداف واضحة ومحددة، بل إن هذا الغياب يجعل من طاقاتها - للمفارقة - موظفة في أهداف ومشاريع مناقضة، ولتسويغ سياسات قد تكون معادية للظاهرة الإسلامية ذاتها. وثانيهما: التمييز من الناحية العلمية بين المشروع الإصلاحي المتكامل من ناحية، والبرامج المحددة على مستوى الأفراد والجماعات الصغيرة التي تحوزها الظاهرة الإسلامية في معظم الأقطار التي تمارس فيها العمل.. لا يعني ذلك أنه ليست هناك أفكار عامة حول الرؤية معظمها مستمد من التراث الإسلامي ويحتاج مراجعة حقيقية. وبإجمال: الظاهرة الإسلامية لم تضع مشروعها الإصلاحي والتغييري بلغة محددة وواضحة صالحة للاستجابة للتحديات. 2 ـ الأزمة القيادية داخل الظاهرة الإسلامية (التحدي القيادي): يلاحظ أن القيادات الحالية في معظم مستويات الظاهرة الإسلامية ـ وإن كان بدرجة أقل بالنسبة لمنطقة الخليج ـ تعاني أزمات تتعلق بشرعية الإنجاز (الشرعية وفق اصطلاح الفكر السياسي) الذي تحققه، وكفاءة الأداء في الأدوار؛ «فالإنجاز الفعلي» للظاهرة الإسلامية يكمن في الالتزام ببناء مؤسسات شورية حقيقية وليست شكلية وورقية على النمط الذي تقيمه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي. 3 ـ الأزمة التنظيمية والإدارية داخل الظاهرة الإسلامية (التحدي المؤسسي): وهي أزمة حقيقية ساهمت في صنعها عوامل واقعية ـ ليس هنا مجال التعرض لتحليلها ـ وهي ذات مستويات متعددة جوهرها تحول الظاهرة الإسلامية في معظم البلدان والمناطق ـ إلى حالة إدارية تنظيمية طغى الجانب التنظيمي على بقية الجوانب الأساسية في ممارسات الظاهرة الإسلامية؛ فإذا أضفنا إلى ذلك وجود حالة من «الجمود التنظيمي» في أبنيتها؛ مما أدى إلى ضعف حلقات الاتصال بين المستويات المختلفة داخل إطارها التنظيمي، وكذلك ضعف عملية التماسك الداخلي والمعاناة من أمراض المركزية المفرطة، بالإضافة إلى تقليدية أساليب العمل داخل مؤسسات الظاهرة الإسلامية وعدم تطورها وفق التغييرات المعاشة.. إلخ؛ مما يعني في التحليل الأخير عدم وجود «تقاليد مؤسسية» داخل الظاهرة الإسلامية لصالح الفردية والشللية في بعض الأحيان؛ ناهيك عن عدم تحديد العلاقة بين حجم المؤسسة وحجم العمل الفعلي ووظيفته في إطارها. هذا التحدي التنظيمي والإداري بالغ الأهمية؛ لأن العامل التنظيمي والإداري أداة نقل المشروع عبر الظاهرة الإسلامية إلى أرض الواقع العملي والفعلي.. ومن ثم فإن وضعيته هذه أضعفت إلى حد كبير مقدرة الظاهرة الإسلامية على الاستجابة. 4 ـ تناقض الرؤى داخل الظاهرة الإسلامية بصدد أهدافها وأساليبها في الإصلاح (التحدي التنموي والإصلاحي/ التكامل القوي للهوية): ثمة مجموعة من التصورات المختلفة والرؤى المتناقضة وغير المتناسقة عن ملامح الإصلاح، وكذلك الكثير من الرؤى المختلفة في تصور طبيعة الصراع والتحديات التي تواجه الظاهرة الإسلامية، ومن ثم أساليب التعامل معها والاستجابة لها، وهذا التحدي قد يخفت تحت ضغوط التحديات الخارجية الواقعة على جسد الظاهرة الإسلامية، ولكنه موجود على كل الأحوال، ويمكن أن يظهر في لحظات تاريخية، ويتفجر في سياقات معينة. 5 ـ انخفاض مستوى جودة في الأجيال الجديدة العاملة في إطار الظاهرة الإسلامية (تحدي تهميش الأجيال الشابة): تعاني الأجيال الجديدة التي تم استيعابها للعمل في إطار الظاهرة الإسلامية في سنوات العقد الأخير خاصة ـ كما يظهر في العديد من المؤشرات ـ من مشكلات حقيقية لا تكمن فقط في تراجع الناحية الكمية الواضح ـ ولكن إضافة إلى ذلك فإن نوعية ومستوى العضوية الجديدة هو الآخر يشهد انخفاضاً وتراجعاً حقيقياً ربما يرجع ذلك إلى عدم وضوح الأسس التي يتم عليها التجنيد، والتصعيد، وعدم تطور البرامج التربوية والأنشطة وملاءمتها، وكذلك عدم فعالية الأشكال التنظيمية للظاهرة الإسلامية التي يتم من خلالها تنفيذ هذه البرامج والأنشطة عملياً، والتي تحتاج بشكل حاد إلى المراجعة والتجديد، وبالطبع فإن ذلك يتم في سياق مجتمعي في المجتمعات العربية والإسلامية ويتجه نحو الانحدار العام. 6 ـ غياب أو عدم احترام التخصص داخل الظاهرة الإسلامية (تحدي الجمود السياسي): تبدي الظاهرة الإسلامية في أدبياتها النظرية احتراماً كبيراً لقضية التخصص؛ إلا أن الممارسة داخلها في معظم مؤسساتها حتى في الأنشطة التي تعتبر بطابعها تخصصية لا تحترمه في غالب الأحيان، ورغم أنها حفلت بالكفاءات المتميزة في معظم المجالات الفكرية والعملية إلا أنها كما يبدو من عدم التجديد في خطابها الإعلامي والتربوي، وكما يظهر في فقر الأدبيات الجادة الصادرة عنها تشهد تراجعات ملحوظة على هذا الصعيد؛ فقد سيطر على معظم مؤسساتها العقل الإجرائي والبيروقراطي المجدب، وأصبحت الظاهرة الإسلامية طاردة للكفاءات الحقيقية من أبنائها تحت حجج وعناوين مختلفة، وفي ظل تسويغات فضفاضة كثيرة، وهكذا تفقد الظاهرة الإسلامية بعضاً من أخلص أبنائها لصالح بقاء طبقات من العملات الرديئة ومن ذوي الكفاءات المنخفضة مما يقعدها عن مواجهة التحديات؛ فتصبح مسؤولة عن إصلاح البيت من الداخل قبل المناداة بإصلاح المجتمع. 7 ـ غياب القيادات الفكرية المرجعية داخل الظاهرة الإسلامية: تعاني الظاهرة الإسلامية نقصاً كبيراً من ذلك الجيل القائد على المستوى الفكري والمرجعي وهو ما عبر عنه البعض بأنها أضحت جسداً كبيراً ليس له عقل فكري قائد ناضج ومجمع على مستوى الجسد الكبير، وإن كنا نرى أنه قد فات زمن المرجعيات الفردية الفذة المجتهدة، وأصبحت الحركات الإصلاحية توجده عبر مؤسسات ومراكز متخصصة للبحث والتفكير المستقبلي وهو ما لم تعرفه، والتجارب التي حاولتها لم تستطع أن تثبت جدارتها أو قدرتها على الصمود والبقاء ناهيك عن الإنتاج والإبداع والحركة، ومن ثم أخذت عوامل التآكل تفعل فعلها في الظاهرة الإسلامية دون أن تقوم بتعويض حقيقي لصالح الكيان.. تتفاعل هذه التحديات وتتجلى في الكثير من المظاهر التي تلخصها حالة الظاهرة الإسلامية عامة. فما هي الاستجابات التي تواجه بها التحديات، وإلى أي مدى تتناسب معها ومع طبيعة الأهداف؟ وإلى أي مدى تعتبر الظاهرة الإسلامية مؤهلة لمجابهة هذه التحديات؟ نذكِّر بأن الواقع الحالي ـ كما ظهرت بعض مؤشراته ـ متراجع، كما أن الممارسات تشهد تخبطاً حقيقياً على معظم المستويات، ولعل نقطة البداية هي التشخيص السليم للواقع، وإيجاد الوعي الحقيقي العلمي بطبيعة المنطق الصراعي المواجه للظاهرة الإسلامية، والتحديات لكي تستجيب لها عملياً، وتحدد أشكال الاستجابة ووسائلها المختلفة. * د. أحمد: هل هذا مرتبط بأحداث سبتمبر؟ * د. حامد: قد يكون غير مباشر؛ لكن لا يمكن أن نغفل أنه زاد بعد سبتمبر، زاد الانحدار. يعني كل المظاهر المرتبطة بالمشروع الأمريكي زادت بعد تلك الأحداث وبدأت نغمته تزيد في المجتمع. * د. مصطفى: إذن بِمَ تفسر يا د. حامد صعود الانتفاضة بهذا الشكل، وارتفاع التجاوب الشعبي معها على مستوى العالم في حدود الإمكانات المتاحة ومسألة المقاطعة مثال لذلك؟ * د. حامد: أنا أرصد ولا أفسر.. أنا معك، ولكن أنا أتكلم عن التيار العام (the ministry) في كل الأقطار العربية تقريباً. * د. مصطفى: يظل التساؤل مطروحاً: هل هذا مرتبط بأحداث سبتمبر؟ * د. حامد: لا، لا أقول مرتبط، ولكن ربما أسفرت عن زيادة وتيرة التراجع. * د. مصطفى: وربما العكس! * د. حامد: ربما العكس في المجتمعات الغربية؛ أما في المجتمعات التي تعد ساحة الصراع؛ فلدي مؤشرات تقول إن الأمر يسير في الاتجاه الذي أتحدث عنه. أنت لديك حزمة سياسات بدأت قبل أحداث سبتمبر؛ وتلك الحزمة طبختها كثير من الأنظمة العربية، وبعد أحداث سبتمبر كثفت منها وزادت من وتيرة هذه المظاهر، وأضرب مثالاً: مسألة تجفيف المنابع؛ وتلك بدأت منذ فترة، ولكن بعد أحداث سبتمبر أنا لديَّ حالات تطبيقية تم التنسيق فيها، والنتيجة المباشرة لها تنعكس على أولادك وأولادي؛ لأنهم يجففون هذه المرة من العمق، وفي نفس الوقت يعمل على مستوى الشباب بالدعاية المضادة، والمتمردون جداً يتم التعامل معهم أمنياً؛ فهو يملك بدائل للحركة في وقت تنزع هذه الأدوات منك، حتى لو أن عندك الإرادة فليس عندك الأداة. أنا لست متشائماً أبداً ولكن أقول إن الناس التي تدرس وتخطط دائماً ما ترى القوى المؤهلة للتغيير أو التي تحمل مشروعاً بديلاً أو مشروعاً للتغيير وهي إما أن تخترقها.. والقوى الإسلامية عصِّية إلى حد ما عن الاختراق، وليس كما في القوى اليسارية لأسباب ليس لي دخل بها. والأمر الآخر هي أن تحرفها عن مسارها وتلك جُرّبت وممكن أن تصلح مع الأفراد، ولكن لا تصلح مع الجسد الأساسي؛ ومن ثم أتصور أن هناك حزمة سياسات كما تشير التقارير لا بد أن تُجرب وتطبق وتُقيَّم؛ بحيث تقود فترة من الفترات إلى أن تلك قوى التغيير على الأقل تتكيف مع الوضع بأن تقبل أن تظل فيه: أن تظل تحت السيطرة وحركتها مرصودة؛ بحيث لا تقدر على التغيير؛ فهنا هو يصادر على المستقبل والتطور السياسي لتلك المنطقة. أنا كنت مثلاً ألاحظ مجتمعاً كالمجتمع المصري يقدر أن يقوم بأشياء حتى في ظل الانتفاضة؛ لكن هو في النهاية يرسم له حدود الحركة.. تحرك.. لكن تحرك في الإطار الذي لا يخل بمعادلة التوازن القائمة والتي ترتبط بالنظام السياسي نفسه، وترتبط بإسرائيل، وترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً بمدى قبول الناس تحركات منخفضة المستوى. ومن هنا يجدر أن يطرح تساؤل: هل هي دخلت في إطار اللعبة؟ ومن هنا أرى أن الذي تفعله حماس والجهاد هذا هو الاستثناء عن القاعدة (قاعدة الخضوع) أنت الآن أمامك أمران في فلسطين: مشروع المقاومة، ومشروع للتسوية. مشروع التسوية يسانده عرفات وتسانده الأنظمة، ومشروع المقاومة هناك حركتان أو ثلاثة والباقي جميعاً ضده، ولكن الخطورة في تساؤل: هل تبلور مشروع للمقاومة على مستوى العالم العربي؛ بحيث إنه يُساند مشروع المقاومة في فلسطين؟ ربما المقاطعة جزء من هذا المشروع، لكن لا أعتقد أن هناك مشروع مقاومة، والأنظمة تخشى، وأحد عناصر خشيتها من فكرة الاستشهاد ليس فقط أن تكون منهجاً للتعامل، وأحد مظاهر تخوفها من المقاومة أن تنتقل عدوى المقاومة إلى الداخل لديها ولو أحرزت حتى بعض النجاحات الجزئية، وفي سبيل ذلك لديها استعداد للتحالف مع كل... فهنا مشكلة قوى التغيير في البلاد العربية في أنها لم ترتفع إلى مستوى الفهم في مشروع المقاومة، وأن مشروع المقاومة كما يقولون إن قضية فلسطين هي القضية المحورية التي تحدد حتى مستقبل الأنظمة العربية، يعني لننظر في 8491م ماذا حدث؟ حدث تطور داخل الساحة الفلسطينية، ثم بعدها جاءت التغيرات، وأخشى أن يقال إن سقف فهم الحركات الإسلامية سقف منخفض جداً، ولا يستطيع الارتفاع إلى مرتبة فهم تلك الأحداث. * أ. طلعت: في رأيي أن التطور الذي حدث في فكر وحركة التوجهات الجهادية نحو حروب التحرير بدلاً من التركيز على الأوضاع الداخلية والتحرك الانقلابي يعد تطوراً إيجابياً للحركة الإسلامية عموماً. * د. مصطفى: قبل أن ندخل في الحديث حول الاستجابات أود أن أختم ببعض المُدركات التي يجب أن نأخذها في اعتبارنا عندما ننظر إلى تلك التحديات: أول أمر: أن هناك جبهات عديدة تفتح هذه التحديات بعد أحداث 11 سبتمبر. هناك أكثر من جبهة فُتحت بعد أحداث سبتمبر بعضها يأتي من (إسرائيل)، وبعضها يأتي من أمريكا، وبعضها يأتي من تفاعلات وتداعيات أحداث سبتمبر أيضاً.. هذه التحديات تتداعى معاً. إن كل تحدٍّ من هذه التحديات كثيف ويلقي بظلال شديدة على عالمنا العربي. إننا نفتقد وعي التحدي؛ ومعنى ذلك أن ندرك أن هناك تحدياً، وأن هذا التحدي يجب أن يواجه بشكل أو بآخر. أيضاً إننا نواجه هذه التحديات ونحن في حالتي حرب: حرب معلنة وسافرة من إسرائيل، وحرب مؤجلة ربما من الولايات المتحدة الأمريكية. أيضاً أنت تواجه هذه التحديات وأنت متهم، فتصبح قدرتك على الحركة في مواجهة هذه التحديات جزءاً من هذه القدرة مسلوباً ومحشوداً أصلاً لمواجهة التهمة، وربما يؤدي هذا خاصة في ضوء قلة الإمكانيات أو في ضوء عدم تحديد الأولويات إلى تأجيل التعامل مع التحديات؛ وتأجيل التعامل مع التحديات قد يصل في بعض الأحيان إلى عدم القدرة على مواجهاتها. الاستجابات (كيف نواجه التحديات؟). * د. أحمد: هناك اتفاق عام على أن هناك تحديات على المستويات كافة سواء من حيث الجهة، أو من حيث النوعية، أو من حيث طريقة التناول. أنا هنا أرى أنه لا ينبغي ادخار أي جهد أو إهمال أي سبيل يمكن أن يغتنم في دفع هذه التحديات، أو تقديم نوع من الاستجابة لتداعيها بداية من إيصال صوتنا إلى الرأي العام الدولي سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، عن طريق البعثات الخاصة (البعثات الدبلوماسية).. نتحرك على مستوى الحكومة الرسمي وعلى مستوى الشعوب، وكلنا يعلم قدر القيود التي تمارس على الأوساط الرسمية، والمفترض أن الحكومات تعي أننا جميعاً في مركب واحد، وليس هناك انفصام بين الشعوب وبين حكوماتها. هناك أيضاً القنوات الفضائية، يقال أيضاً إنه من بين المشكلات الأساسية التي نواجهها أن الإعلام الصهيوني والغربي فعلاً نجح في تصوير الفلسطينيين على أنهم هم القتلة وهم الإرهابيون: طبعاً لأنك أنت تركت له السلاح، ولا يوجد إعلام عربي فعال. * د. مصطفى: حادثة محمد الدرة، كان يمكن أن تستثمر بشكل خطير، وإنما هم في أي حادث صغير يقومون بتسليط الأضواء على طفل أو امرأة يهودية أصيبت ويقولون هذا هو الإرهاب..!! مخيم جنين كان ممكن أن يكون مادة إعلامية لا حصر لها في الحركة، ونحن للأسف الشديد اعتمدنا على أن تأتي لجنة من الأمم المتحدة ثم حددوا شروطها وانتهى الأمر. * د. حامد: كان ممكناً أن توظف حادثة جنين تلك دعائياً، وتوظف إعلامياً وسياسياً، وكان فيها عناصر العمل الناجح: أولاً: لديك جريمة ولديك قتلى متلفزون، أي أنهم تم تصويرهم بالستالايت الأمريكي والفرنسي، والصور كلها موجودة وتقدر على شرائها من شركات تجارية وتقدر أيضاً على شرائها من أمريكا. ثانياً: لديك الفاعل، والمجرم الأصلي معروف ومصور أيضاً: شارون وقواته. ثالثاً: لديك الفاعل بالاشتراك (الأمريكي) علامات القذائف وعلامات الأسلحة واضحة في الصورة. |